الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تأملات في «خذ الكتاب لتراك» لإلياس فركوح

تم نشره في الجمعة 10 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً

نور جهاد العتيبي
في ذهني الآن أن القارئ الذي يحاول التمرّس وقراءة كل ما قد يقع بين يديه، شبيه بالرّحالة الذّي ينبش عن شيء ما، يعايش تحوّلات وخيالات عديدة يُوضع في إطارها بتأثير الكتاب الذي يمسكه.
أتذكر زيارة لدار أزمنة، كان في معرضها مشهد الأستاذ إلياس فركوح وهو يفكّر بعنوان لكتاب لم يكن قد اكتمل وقتها بعد. في ذات المشهد، وأثناء الكلام، صمت ثم قال بدهشة مفاجئة: في الأحاديث النبويّة يقال: حدّثنا فلان فقلت، ما رأيكِ بعنوان: حدثتني الكتب فقلت؟
بعد برهة تفكير قلت له: جميل صراحة، ولم نستطرد أكثر. لم أفكر في الأمر تقريباً، إذ بدا لي أنَّ كتاباً سيُسمّى هكذا سيكون مختلفاً بالطبع وقد كتبه إلياس فركوح، وهوالقاص الروائي. حقاً لم يكن في البال أيّ تصوّر عمّا هو مقبل عليه.
حياد أخلاقيّ
نتيجة لرؤيتي ومراقبتي للمشهد الثقافي العام، المتمثّل بالحال الذي يُظهره معظم المثقفين من خلال إنحيازاتهم السياسيّة وكتاباتهم، رأيت إلياس المختلف؛ رأيته مثالاً للكاتب المثقّف المخلص للثقافة والكتابة والإنسان؛ المثقّف الذّي فصل نفسه عن السّياسة والتبعيّة ليكون مستقلّاً ومختلفاً عمّا هو موجود ومكدّس في الأسواق - كما يقال! وأعني (أيّ المكدّس) هؤلاء الذّين يسبق موقفهم السياسي، بما يحمله هذا الموقف من قوالب وآراء جاهزة وأفكار، حالةُ شلل تصيبهم مقابل إخلاصهم؛ مثقّف أصولي مفصَّل على مقاس الموقف السياسي، موقف شبيه بعجل قوم موسى!ونحن إذ نراقب هذا الزخم والتكدّس، رأيت إلياس، من خلال ما يكتب، كأنه هارون الذّي نأى بنفسه، ونذيراً بأن هذا ظلم للذات وحرمان لها مما هو آت! وهو بذلك يكون مثقفاً كونيّاً، والمثقف الكوني (كما أفهمه) هو مَن يقرأ بلا حدود ولا يمنعه أيّ موقف سياسي يتبنّاه الآخر من أن يكون منصفاًله، عدا أن إلياس مترجم يحمل على عاتقه مهمة أن يكون واحداً من بُناة الجسر الذي يوصل الثقافات ببعضها البعض.وكان كتاب «خذ الكتاب لتراك»بعد باع طويل من الانخراط، كان وما يزال في عالم الكتب والكتابة.وجدتني أثناء قراءته أني أمام كتاب ناضجٍ حقّاً، يصعد ويهبط في اشتعال المكتوب فيه، في ثلاثة أجزاء كما يحلو لصاحبه تقسيمه. دخلتُ صومعته لأعاينَ الأجواء التي وضعني فيها هذا الكتاب تشبه حالة رحّالة دخل ليتلصّص على ما دوّنه راهب عتيق له عوالمه الخاصة؛ كنتُ -حقيقة- أقرأ مذكرات عقله التي أنجزها في ثلاثة دفاتر، كلّ منها يختصّ بشيء ما.
هي أمور أراد «الراهب» قولها على الدوام، وشاء أن تظهر مرتبة في مقالات لا تطول كثيراً، تمتاز برصانة لغويّة وكثافة في محتواها.تقرأ فتلحظ شهوة في الكتابة سرعان ماتنتقل إليك، لتقرأها أنت أيضاً بشهوة، فتصير الشهوة مشتركة، لكن شهوة الكتابة الموجودة في النص لم تكن اعتباطية وعجولة؛بل سُكبت بصبر أنجب نصوصاً تبدو هادئة، لكنها صاخبة كلّ الصخب بما تحتويه أيضاً، كما لم ينفصل ذلك كلّه عن بثّ تجربته وروحها، خاصّة في الدّفتر الأول.
 تقاسيم ومراجعات: رفوف
 يقال إن الخطوة الأولى لإنشاء مكتبة هو إخلاء رف أو ما يشبه ذلك، أم أنا أقول ذلك!
بعد مدّة -طويلة نسبيّاً- يحدث، إنْ كنتَ ذكيّاً، أن تشارك تجربتك مع رفّك الذي بات مكتبة، وكذا في الدفترالأول المسمّى رفوف: دامجاً بين تجربته في الكتابة وتجربته في المكتبة يأخذنا في رحلته الذاتيّة. أولا: رحلة عبر الزمن تشرح لنا تحولّات المكتبات الكبيرة مما يشبه الكتدرائيّات إلى مبانٍ لها تصميم عظيم. وبالطبع لا مكتبة أو كتب بلا دور نشر، ولا شيء من هذا بلا كاتب ومجتمع مستقبل، هو ثالوث: كاتب، مكتبة، مجتمع.
يشير أيضاً لتجربته كناشر، والمميّز كذلك هو إشارته لتجربة الآخر على رفوفه.
نحن في رحلة صغيرة تشعرنا منذ البداية بضآلتنا أمام هذا الكمّ الهائل من الفكر البشري!
 من خوان غويتسيلو إلى سعود قبيلات
أظنّ، والله أعلم، أنّي لست وحدي مَن يبحث في (جوجل) عن شكل كاتب أحبّه. في دفتر (وجوه) يحدّثنا إلياس فركوح عن وجوه علقت في ذاكرته، وأخرى كانت له معها تجربة شخصيّة، باعثاً أنفاس الحياة في بعض أموات هذه الشخوص من رماد النسيان، وذكريات تستحقّ أن تقال، كما معظم التجارب الإنسانيّة البشريّة، فما الانسان إلاّ ذاكرة!
كما قلت: علقت وأخرى قوبلت، إذا ليست معايشتها شرطاً أسياسيّاً لتكون التجربة، لكنّه يؤكد على وجود علاقة غرائبيّة تنشأ بين قارئ متمرّس أو فاهم يعيش في جزء من الكرة الأرضيّة وكاتب بعيد. و هذا ما حدث بين الكاتب إلياس ووجوه آخرين، فإنْ كان إدوار الخرّاط صديقاً ومقروءاًلديه، فإنَّ غابرييل غارسيا ماركيز هو العلاقة المبنيّة على القراءة والمتابعة، وكذا مع كتّاب عرب لم يعرفهم إلاّ كلمات علىأوراق كتبهم. هنا تلحظ، كقارئ، أنّه جمع على طاولته أرواحاً من كلّ مكان ليكتبهم.وممّا يلفت انتباهك كذلك، أثناء تمعّنك هذه الوجوه، أنها لم تندرج جميعها فيما كتبت على لائحة (البست سيلر)، ما يؤكد لنا أن مسألة البيع والشراء ليست شرطاً لتصف كاتباً بأنه مميّز، كذلك ليس على هذه الوجوه أن تكون نخبويّة في مجملها.
الذي تجلّى لنا، عبر قراءتنا، هو بعث الأفكار وأصحابها بعيداً عمّا يسمّى بـ(موت المؤلف)، إذ تعقد على ورقك اجتماعاً عالميّاً حيث تجلس، أن تقيم صداقات وروابط وتجارب تحتويها داخل تجربتك، أليس هذا فعلاً جميلاً بحق!
 قراءات: دفتر يفرض نفسه
بعد إنشاء المكتبة والتأمل في وجوه أصحاب الكتب الذين ملأوا بكلامهم المكتوب دفاتر مستقلة على متن هذه الأرفّف، وبعدَ أن تُعرف بمثقّف مستقلّ له رأيه الخاص؛ يجنح البعض لإعادة كتابة النّصّ المقروء كما أملاه عليه فهمه. لكن قراءة عن قراءة تختلف بالطّبع، واللاّفت في هذه القراءات أنها تصدر عن ذات كاتبة تتعرّض للقراءة هي الأخرى: ذات توصف بالمثقّفة، وذات لا تحاول إلصاق لقب (الناقد) بصاحبها: هو كاتب و قارئ؛ متجرّداً و متنصّلاً من الصفات الأكاديميّة! يختار أخيراًإلياس فركوح كتباً ليقرأها بصوت عالٍ، كأنما يقول لنا: جرّبوا هذا، إنّه كتاب جيّد ومختلف! لم «يفرقع» الكتاب بصوت عالٍ بين النّاس لسوئه، أو لعقدة غير مفهومة فيه؛ بل هي مسألة إعلام، وربما الثقل في طرحه لا يناسب زمن الخفّة السائدة!
يركّز الكاتب إلياس فركوح في قراءته على قيمتين لا تنفصلان: القيمة اللّغويّة التّي تختلف من كاتب لآخر، والقيمة الانسانيّة - وهي المشتركة، غير أنّ التعبير عنها يختلف بين كاتب وآخر، واختلافهم هذا يعود إلى طبيعة ارتباطهم بواقعهم.وهناك شيء آخر أراه جديراً بالانتباه، ألاْ وهو تحويل الكرة الأرضيّة من مدوّرة كرويّة إلى مكتبة مستطيلة عالية، يتنقل بين رفوفها، آخذاً من كلّ رف كتاباً جديراً بالقراءة.
«خُذْ الكتاب لتراك» كتاب يفرض نفسه بما يحويه.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش