الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مسارات الهدر ومحطاتها في المشروع النهضوي العربي في كتاب زهير توفيق الجديد

تم نشره في الجمعة 10 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً

الدكتور مجد الدين خمش
يتتبع زهير توفيق في كتابه الجديد هذا الموسوم بـ(النهضة المهدورة: مراجعات نقدية في المشروع النهضوي العربي وبناه المعرفية)، والصادر حديثا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت مسارات الهدر ومحطاتها التي أضعفت المشروع النهضوي العربي على المستويين الفكري والتطبيقي، وأنهكته، وأدّت في النهاية إلى إفشاله بتضافر عوامل سلبية داخلية وأخرى خارجية. ويقف مطوّلا عند عدد من محطات الهدرهذه سيتم مراجعتها باختصار فيما يلي. محطة الهدر الأولى، هي السجال الفكري الشديد حول المفاهيم، لا سيّما مفهوم النهضة، ومفهوم الحداثة، ومفهوم التراث. فعانت هذه المفاهيم  نتيجة لذلك – كما يبين المؤلف- من حمولات أيديولوجية ثقيلة أضعفت مضامينها العلمية، وقدرتها على تفسير الواقع، وتوجيه الجهود لتغييره. فقد فُهمت النهضة من قبل عدد من مفكري عصر النهضة في بدايات القرن التاسع عشر على أنها تعني التحرر من التراث الثقافي والسياسي العثماني، وبخاصة من قبل الشيخ محمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، أو أنها التقدم والترقي على النمط الأوروبي الغربي، وبخاصة من قبل رفاعة الطهطاوي، وخير الدين التونسي، وقاسم أمين، أو أنها إحياء التراث العربي الإسلامي الحقيقي بعد تخليصه من شوائب الغزوات الثقافية التي تعرض لها من الأمم المجاورة للعرب، وتلك التي دخلت إلى الإسلام جالبة معها تراثها الثقافي الخاص الذي لم تتخلى عنه. وقد تبنى هذا الفهم للنهضة رفاعة الطهطاوي، والشيخ محمد عبده في دعوته للعودة إلى الإسلام النقي، وقاسم أمين بشكل خاص.
أدى هذا السجال الفكري اللامتنامي، والصراعات الفكرية الناتجة عنه إلى إشكاليات تترى حرفت فكر النهضة عن مساره المأمول، وأوقعته في شرك الثنائيات المتناقضة التي يصعب دمجها، أو تجسيرها، مثل الأصالة والمعاصرة، والحداثة والتراث، والتقدم والتخلف. مما أضاع جهود هؤلاء المفكرين الأفذاذ في محاولات التوفيق اليائسة بين هذه الثنائيات المتناقضة وهم يردون على خصومهم الألداء فوقعوا في مفارقة انتقاد الشيء وتمجيده في الوقت نفسه مما قلل من اقتناع أصحاب القرار، والجماهير بمصداقية هذا الفكر، ففقدوا الحماس لاتباعه، وتحويله إلى واقع حياتي يومي. كما أصبح خطاب النهضة ذاته تبعا لذلك وبسبب هذه الصراعات ضحية للتناقضات غير المحسومة، فأصبح لذلك قابلا للتفكيك والتصفية - كما يبرهن المؤلف. مما منع إتمام صياغة  خطاب شمولي متماسك داخليا للجماهير، إضافة إلى النخب السياسية يقدم لهم تفسيرات مقنعة، مريحة لأسباب التخلف والتأخر، وسُبل مواجهتها وتجاوزها، ودورهم الأساسي في ذلك. وبالتالي أضحى هذا المشروع النهضوي وخطابه المؤدلج متهافت البنية الداخلية، « ولا يراهن عليهلبناء مشروع حضاري أو نهضوي عربي قابل للاستمرار» - كما يقول المؤلف صفحة 194 من الكتاب. وبقيت طروحات هذا الخطاب بالتالي أسيرة الفكر النظري المجرد ولم تيسر انبثاق آليات إجرائية فاعلة على أرض الواقع تتبناها تيارات عريضة من الجماهير التي بقيت مغيبة عن هذه الطروحات المتصارعة، وإشكالياتها، ووعودها المستقبلية الصورية.
أما محطة الهدر الثانية التي يتوقف عندها توفيق فهي التجارب النهضوية التطبيقية التاريخية، لا سيّما تجربة محمد علي باشا  في مصر، وتجربة الدولة العثمانية في إصلاح الإدارة والقوانين وتحديث الجيش فيما عرف ب « التنظيمات». ويقدم المؤلف أدلته التي تبين أن هذه التجارب فشلت لأنها كانت معزولة عن سياقها المجتمعي العام ؛ مفروضة من الأعلى دون إعداد كافٍ للجماهير وللبنية الاقتصادية المحلية. فقد أدى إندفاع محمد علي لإدخال التصنيع إلى مصر باستخدام بيروقراطية الدولة إلى تفكيك البنية الاقتصادية الوطنية المصرية، وحرمانها من التطور الذاتي التدريجي. وأدخل مصر فيما بعد في منظومة النظام العالمي كامتداد للسوق البريطاني، وكدولة محيطية تابعة متخصصة في إنتاج المواد الخام الزراعية لهذا السوق.
أما المحطة الثالثة في مسارات الهدرهذه والتي يوثّها المؤلف في هذا الكتاب فهي المشاريع النهضوية الصورية المثالية المنفصلة عن الواقع العربي الداخلي، والواقع السياسي الدولي، لا سيّما مشاريع جمال الدين الأفغاني، وعبد الرحمن الكواكبي، وعمر فاخوري، ونجبيب عازوري. حيث تميزت هذه المشاريع – كما يوضح المؤلف- بالنخبوية والوعظية، ولوم الذات، وارتهانها إلى المثاليات الثقافية وإهمالها للأسس المادية للتقدم والتي لا يمكن تحقيق نهضة بدونها.
ويقف المؤلف مطوّلا عند المحطة الرابعة من محطات الهدرهذه التي يوثّقها في هذا الكتاب وهي محطة الخطاب النهضوي الحديث في منتصف القرن العشرين والمتمثل بالناصرية بشكل خاص كآخر تجليات الفكر النهضوي العربي. فيرى أن الناصرية وقد دمجت القومية العربية بالاشتراكية والعلمانية وضعت نفسها في تناقض مع الهوية الاسلامية، ومهدت الطريق لتطور قوى الإسلام السياسي وتنظيماته وبخاصة بعد نكبة عام 1967. أما خطابات العلم الحديث، وخطابات الحرية والمشاركة السياسية والتي رافقت صعود الخطاب الناصري فقد تم إفراغها من مضمونها التحديثي، وبقيت مثقلة بالتحليلات الفلسفية غير المرتبطة بالبيئة العربية ؛ وهي عرضة باستمرار للشيطنة من قبل القوى المناوئة للتحديث والتقدم التي ازدادت قوة بعد حروب التنظيمات المتطرفة وخطابها التكفيري المعادي للمجتمع وحركته المستقبلية.
ويختتم توفيق كتابه المهم هذا بتقديم استنتاجات عامة، وتوفيقية للتخطيط للنهضة بعد توطين مفاهيم النهضة وتبيئتها باستثمار التراث للانطلاق نحو العصرنة والتحديث، والتحرك بآليات وبرامج داخلية للتقدم مسترشدة بهذه المفاهيم، تأخذ بعين الاعتبار البيئة الدولية، وتحوّل مطالب النهضة من النخبوية إلى الجماهيرية.
وبعد، فإن هذا الكتاب غني بمادته التحليلية النقدية المتعمقة لخطابات غالبية مفكري عصر النهضة العربية تمتد إلى الخطاب النهضوي الحديث في منتصف القرن العشرين.ويتميز الكتاب بلغته الفلسفية النقدية الراقية، وتقديمه أدلة موثّقة ومقنعة. وهو يغني المكتبة العربية، ويشكل مرجعا لكل منشغل بقضايا المجتمع العربي ومشكلاته المعاصرة، أو دارس لها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش