الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الخيال العلمي في رواية «الإسكندرية 2050» لصبحي فحماوي

تم نشره في الجمعة 10 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً

  د. ماجدة صلاح

المدقق في رواية «الإسكندرية 2050» للروائي صبحي فحماوي يجد أنها متعددة الأزمنة، شملت زمنا ماضيا، وزمنا استشرافيا مستقبليا أسس على الخيال العلمي وارتكز عليه، فأغرت الكتّاب للخوض في دراستها و نقدها، ويبدو أن افتقار المكتبات العربية لهذا النوع من الروايات التي تتحدث عن الزمن المستقبلي كان المحفّز الأساس لدراستها والاهتمام بها، فهي رواية بُنيت على الخيال العلمي الذي يمكن تحقيق جزء كبير منه على أرض الواقع ، وقد صدرت في بيروت عام 2009، حلّق فيها الروائي في عالم الخيال العلمي، متنبئا بأمور نجد اليوم أن الإنجازات العلمية قد حققت بعضا منها، إذ بدأت بلدية شيكاغو باستخدام االهيدروجين المسال كوقود في حافلاتها، وتطور الإنسان الآلي (الروبوت) إلى حد بعيد، وتم تعديل الجينات البشرية، وتحقق كثير من تلك التنبؤات التي ذكرها الروائي. وما زلنا نسمع ونرى ثورة علميّة بات معها بعض المستحيل ممكنا.
تتميّز هذه الرواية بعمقها وملامستها مشكلات العالم وكشف أدران العصر في عالمنا الذي نحياه، محاولة طرح علاج لهذه المعضلات والآفات. وقد انبنت على التناقض العجيب والتضاد الغريب ، فهي من ناحية تنير جانبا من مأساة الفلسطيني وقضيته، وواقع الحال في مصر وبعض الدول العربية، والعلاقات الاجتماعية والسياسية، عبر الزمن الماضي بتقنية الاسترجاع والتذكّر، وما فيه من أحداث مؤلمة، وحياة بؤس وشقاء وتشرّد، ومن ناحية أخرى ترسم تصوّرا لمستقبل مشرق مضيء يحلم به العالم بأسره، عالم السلام والمحبة والاستقرار، بعيدا عن الحروب والقتل والدمار عبر الاستشراف، تصوّر حياة مستقبلية قابلة للتحقق على أرض الواقع، متخذا من الإنسان الأخضر رمزا للإنسان المحب للسلام، الساعي إليه، وفي الوقت ذاته تهتم الرواية بالأرض  والبيئة ـ ولا غرابة في ذلك ـ ما دام الكاتب مهندسا زراعيا برع في هندسة الحدائق، محولا الأرض الجرداء إلى جنّة خضراء، إنه يقدّم حلولا لمشكلات تعترض العالم وتشكّل خطرا يداهمه.
هي باختصار رواية سياسيّة اجتماعيّة، تاريخيّة، علميّة، عجائبيّة متعددة الجوانب والاتجاهات، إذ تناولت الأوضاع السياسيّة في حقبة الستينيات ووعد بلفور وتهجير الفلسطينيين من أرضهم، والأحداث التي شهدتها المنطقة العربيّة في فترة حكم جمال عبد الناصر، وغيرها من الأحداث التاريخيّة والسياسيّة ، كما صوّر الروائي حياة اللاجئ الفلسطيني ومعاناته في سبيل الحصول على لقمة العيش والبحث عن حياة كريمة، وأفاض في ذكر تفاصيل الحياة الاجتماعيّة لأهل الإسكندريّة، مستعينا بالوصف الدقيق والحوار، مما جعل القارئ لهذه الرواية يحسّ كأنه يرى فيلما مصوّرا بمشاهد حيّة متحركة. ومع سيطرة الكاتب على اللغة، وقدرته على تشكيلها والتلاعب بها بأسلوبه السهل الممتنع، استطاع عبر قفزاته الزمنية أن يرسم حياة أخرى مغايرة تماما للزمن الماضي، زمن الستينات، من خلال التكنولوجيا التي غطّت كل شيء تقريبا، فمنحت البشر حياة مرفهة مستقرة بفضل استخدام الروائي للخيال العلمي، إذ اقترح حلولا لمشاكل يعاني منها البشر، وبذلك لفت انتباه العالم إلى تلك المشكلات، وتمكّن من إيصال رسالته إلى القرّاء والمهتمين بالإنسان وقضاياه ، والبيئة والمناخ، والقضية العربية والفلسطينية .
 مفهوم الخيال العلمي:
حين ننطق كلمة (خيال) فإنها تأخذنا إلى فضاء واسع بعيد لا نهائي من الأفكار والأحلام، وتغوص بنا في أعماق ما هو ممكن وغير ممكن، لكنّ اقترانها بصفة (العلمي) تقيّدها فيصبح التحليق على أرضية مبنية على ثوابت وأسس ونظريات. فما هو مفهوم الخيال العلمي؟ وهل يُعدّ نوعا وجنسا من الأجناس الأدبية وغصنا من أغصانها؟
بداية وكغالبية المصطلحات، لم يحظ هذا المصطلح بتعريف محدد، فبعضهم يُعرّف الخيال العلمي على أنه « الانتقال في آفاق الزمن، على أجنحة الحلم المطعّم بالمكتسبات العلميّة، وغالبا ما يطرق مؤلفو الخيال العلمي أبواب المستقبل بتنبؤاتهم من دون زمن محدد»( ). وفي هذا المفهوم للخيال العلمي نلاحظ كلمة غالبا؛ لكون بعض  روايات الخيال العلمي تغوص في الماضي السحيق، فلا يشترط أن يحلق الروائي بخياله العلمي في فضاء مستقبل بعيد، إذ لكاتب هذا النوع من الروايات حرية اللعب والتنقّل بخياله عبر أي زمن، ماض أو مستقبل، شريطة أن يكون هذا الخيال موصولا بأرض الواقع ، مبنيا على أسس علمية ونظرية.
 وقد لعب الخيال العلمي دورا مهما عبر التاريخ، بتحفيز العلماء وحثّهم على الاختراع والابتكار عبر الأفكار العلمية التي يتخيّلونها، وقد أسهمت بعض روايات الخيال العلمي في تحقيق بعض التنبؤات والأفكار كرواية ( آلة الزمن )، إذ يُعدّ الخيال أكثر أهمية من المعرفة فمن خلاله  يمكن رؤية المستقبل بحسب قول أينشتاين، ويرى أديسون أن المخترع يحتاج خيالا خصبا وكومة من الخردة، وهذا دليل على أهمية الخيال العلمي وأنه وراء كل إبداع أدبي واختراع علمي، يقول خليل أبو قورة:
«كان الخيال عبر التاريخ والأدب والفن والعلم، بمثابة المنجم الدائم الذي يستخرج منه الأدباء والعلماء موادهم الخام التي تتحوّل بين أيديهم وفي عقولهم ووجدانهم إلى أعمال خالدة على مرّ الزمان»( ) فقد كان لرواية « من الأرض إلى القمر» للروائي فيرن دور مهم في تصميم مركبات أبوللو والهبوط على سطح القمر، وفي اختراع الغواصة النووية في إبداعه « 20 ألف فرسخ تحت سطح البحر» ولا ننسى البريطاني هربرت جورج ويلز وتنبؤه باكتشاف الطاقة الذرية، فهؤلاء كتّاب أطلقوا لخيالهم العلمي العنان ليخترعوا من غير براءة اختراع.
ويعد هذا الجنس الأدبي الخيط الرابط بين العلم والأدب، في الوقت الذي زعم كثيرون استحالة توافقهما أو الجمع بينهما، لكن أدب الخيال العلمي شكّل نقطة التصالح والاندماج والتمازج بين فرعي الثقافة كما يقول د. أحمد توفيق. وهو بذلك يختلف عن الاستشراف؛ لكون الأخير تقنية زمنية. وقد عرّفه بعضهم على أنه « رؤية جامحة في ثنايا المستقبل، رؤيا فكرية وأدبية وإبداعية تقفز فوق شرفات متعددة... «( ). في حين يتناول الخيال العلمي التنبؤات العلمية من مخترعات وتكنولوجيا وعلم الوراثة وغيرها. لذلك فإن رواية الإسكندرية 2050 جمعت بين الاستشراف والخيال العلمي، لكونها تتحدث عن تنبؤات علمية غير موجودة على أرض الواقع، فهي رواية استشرافية أيضا؛ تحمل في طياتها نظرة إلى مستقبل لم يأت بعد، وهذا ما ميزها.
فإن رواية «الإسكندرية 2050» يمكن إدراجها على قائمة روايات الخيال العلمي، باشتمالها على الكثير من خصائص هذا النوع الأدبي، من خلال الاستشراف، والابتكارات التنبؤات، وزمنها المستقبلي الذي لم يأت بعد.
إضافة إلى أنها رواية واقعية بما تحمله من أحداث تاريخية وأماكن واقعية، وما تناولته من قضايا سياسية واجتماعية وعلمية وبيئية، وهذه الميزات تفتقر إليها غالبية روايات الخيال العلمي، فالجمع بين الواقعي والخيالي والخوض في الهم الجمعي أضفى على الرواية ميزة خاصة لا تتوافر في كثير من الروايات.
يضطلع الزمن في السرد على أهمية بالغة، فليس ثمة شيء أكثر صعوبة يجب الاهتمام به وتأمينه في الرواية من عرض الزمن في صيغة تسمح بتعيين مداه وتحديد الوتيرة التي يقتضيها والرجوع بها إلى صلب موضوع الرواية، إذ لا يمكن طرح الموضوع ما لم يصبح بالإمكان إدراك عجلة الزمن كما يؤكد لوبوك وموير. ومن خلال استخدامه لتقنيات زمن السرد تمكّن من اختصار المدة بالوقوف على أهم الفترات الزمنية والمحطات المهمة في حياة السارد، إذ لجأ إلى الحذف، والاختصار لتقريب المسافة ، مركزا على الستينات، تلك الفترة التي قضاها في مخيم للاجئين الفلسطينيين، وهي مرحلة لا يمكن لمن تجرّع مرارتها وعاش عذاباتها أن ينساها بكل ما فيها من فقر وبؤس وتشرّد ، وفي تلك الفترة درس في مصر وتخرج في الجامعة مهندسا، وقد أسهب في ذكر تفاصيلها وأحداثها مركزا في زمن الستينات على الأحداث السياسية التي شهدتها المنطقة العربية عامة، وفلسطين على وجه الخصوص ، من خلال المشاهد والوصف ، حيث يصف الإسكندرية بحواريها وأزقتها وشوارعها وسكّانها، وما تخلل ذلك كله من حوارات ومشاهد تنم عن حبه لتلك المرحلة رغم ما فيها من أحداث مؤلمة وذكريات قاسية. وزمن 2050 وما فيه من تطوّر وثورة علمية وتغيير للواقع المعيش وللإنسان، في حين حذف جزءا كبيراً من الفترة التي قضاها في دبي، إذ أشار إليها إشارات عابرة، لخلوها من أحداث مفصلية في حياته، على الصعيدين الشخصي والعام، وهو بهذا يخط أسلوبا جديدا في روايات الخيال العلمي، إذ منح لخياله مساحة واسعة إلى جانب ماضيه الواقعي، غير غافل عن جوانب الحياة، والشخصيات وعلاقاتها، وجوانبها النفسية والاجتماعية، مستعينا بالتقنيات الزمنية: المشهد والمونولوج والوصف.
كل هذا يجعلنا نتأمل أحداث رواية «الإسكندرية 2050»  بصفتها رواية مستقبلية، بما تحمله من خيال علمي وابتكارات وصلها العلم، أو على وشك الوصول، ففي هذه الأيام تسارعت وتيرة الاكتشافات العلمية، إذ نسمع ونرى في كل يوم اكتشافات علمية على مختلف الأصعدة، وعلى سبيل المثال، فقد وصل الإنسان حديثا إلى اختراع السيارة الطائرة (التاكسي الطائر) من رولز رويس، الذي سيصبح متاحا للخدمة على أرض الواقع، وما زلنا في انتظار الإنسان الأخضر!.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش