الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«المخيم».. في القصة الأردنية

تم نشره في الجمعة 10 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً

حليمة الدرباشي
المخيم.. ذاك المكان الذي تلمس فيه منبع الوجع وأصله، ذاك المكان الذي نبتت فيه -على حين غرة- خيم برؤوس مدببة، يقبع تحتها وطن مهجر.
المخيم.. كائن كثير، كائن بأجساد كثيرة، رؤوسه قمم مدببة منتصبة فوق العراء المفاجئ، أوتاده كالأوداج المنتفخة في وجه قرار التقسيم، الأزقة الضيقة باتت أعناقا ًكثيرة في ذلك الجسد.. أطرافه طوابير طويلة على عتبات المؤن، ومطعم الوكالة، والحمامات العامة، والفرن الوحيد، أما قلبه فلم يستسلم للجوء، وبقي متشبثا بذراع الزيتونة الهرمة هناك، خلف الحقول الطرية، والكروم اليانعة، والبيادر الضاحكة..
في المخيم قصص وحكايات تتزاحم في المسافة الفاصلة بين «البركسات»، وتتراكم على جنبات زقاق يخترقه نهر صغير مفتعل بسبب هطل خفيف صباح يوم شتائي، أو ربما قامت صبية بأعمال روتينية، وبحركة بائسة تدلق الماء في «حوش» الدار فيتسرب إلى الزقاق ويسيل في قلب شاب يرقبها عن كثب وهي تحمل الماء على رأسها معبأ في الصفيحة بعد أن جاء دورها لتغرف من صنبور الماء العام، الذي قامت الوكالة بإمداده إلى المخيم عوضاً عن صهريج الماء الذي كان يدور أيام كانت «الشوادر» جدرانا رطبة.
قصص وحكايات المخيم كانت تبدأ مع ساعات الفجر الأولى، حتى ساعات الليل المتأخرة التي تشعلها قناديل الكاز وجلسات السامر.
تقول الحكاية: «واحنا كبار البلد واحنا كراسيها/ واحنا رماح القنا وتركزت فيها/ وبلادنا المشرفة واحنا الشباب فيها/ وان عجعج الكحل بالبارود نحميها».
المخيم.. الذي راح يتحول من خيمة يسهل نقلها عندما تحين ساعة العودة إلى بيوت أسقفها ألواح من الزنك، ثم إلى مناطق حديثة الولادة أطلقوا عليها أسماء مؤقتة ريثما تعود.
المخيم مظهر من مظاهر النكبة، ثم النكسة، ثم الاستسلام المدوي الذي عصف بالجيوش العربية حتى لحظتنا هذه.
وإذا أردنا الخروج من دائرة الرومنسية قليلا، فقد شكلت النكبة الفلسطينية وما تمخض عنها من هزائم هاجسا جديدا في العقل والوعي العربي، والأردني-الفلسطيني على وجه التحديد، وبما أن القاص يكتب ما يعيشه ويعايشه ويختبره، فقد كانت القضية الفلسطينية مادة دسمة للكتابة والأخذ بيد القصة للخروج من الواقعية والذاتية والرومنسية إلى مرحلة حداثية، تتسم بهيمنة القضية الفلسطينية والهم العام على الأدب بشكل عام والقصة بشكل خاص.
وإذا أخذنا جولة سريعة في الخط الزمني للقصة الأردنية، فقد كانت متأخرة قليلا عن مثيلاتها في فلسطين ومصر ولبنان وسوريا والعراق، وكانت تلك البداية حسب ما يقوله مؤرخو القصة القصيرة بظهور مجموعة « أغاني الليل» لمحمد صبحي أبو غنيمة، التي طبعت في دمشق عام 1922، أما مجموعة «أول الشوط» لمحمود سيف الدين الإيراني التي صدرت في فلسطين عام ،1937 فقد كانت البداية الفعلية لمشوار قصصي طويل ومتميز، مما جعله يستحق وبجدارة أن يكون الرائد الفعلي للقصة القصيرة في الأردن وفلسطين، فكان ما عرف بـ «جيل الرواد».
ثم جاءت النكبة الفلسطينية لتحدث هزة كبيرة في الواقع العربي ككل، مفككة التراكيب الاجتماعية والسياسية والثقافية والأدبية لتصنع منها واقعاً جديداً خلق بالضرورة خطاً جديداً لكتاب القصة. فقد عالجت القصة القصيرة القضية الفلسطينية وأحوال اللاجئين، وما تبعها من هزائم وخسائر مؤرخة بذلك مرحلة مهمة وفاصلة في الحياة السياسية والاجتماعية العربية. نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، عيسى الناعوري وأمين فارس ملحس.
أما بعد حرب أكتوبر عام 1956، فقد نشأ ما يعرف بجيل الخمسينات، مثل أمين شنار، محمود أبو شلباية، لطفي ملحس، خالد الساكت، يوسف العظم، ومحمد سعيد الجنيدي.
 نأتي إلى هزيمة حزيران عام 1967، فقد أحدثت تحولاً كبيراً في المشهد القصصي، فلم تعد القصة مقتصرة على الطبقة البرجوازية وما شابهها، بل أصبحت القصة تنبثق عن أفواه مكلومة وموجوعة منحدرة من الأرياف والقرى والمخيمات والأحياء الفقيرة والمجتمعات الكادحة والبيئات البدوية، مما جعل القصة تتحدث عن هموم حاولت الطبقات البرجوازية التعتيم عليها طويلا، إلا أننا نعود إلى أن النكبة والنكسة وما تبعها من هزائم، كانت كلها مجتمعة عاملا مهماً في نضج الحركة الأدبية والثقافية والسياسية والفكرية. هنا برز جيل «الأفق الجديد» الذين كانوا من أبرز ما قدمته مجلة «الأفق الجديد» إلى الساحة الأدبية العربية، التي بدأت في القدس عام 1959، فقد ظهر على الساحة ما يعرف بأدب النكبة، الذي راح فيه القاص يكتب في خطوط عريضة تتعلق بقصص النضال والمقاومة والحنين والفهم العميق للواقع الجديد وتحدياته، ونذكر هنا ممن كتب في أدب النكبة والمخيم، محمود شقير، نمر سرحان، ماجد أبو شرار، صبحي شحروري، ومحمود ابو شلباية.
نذكر أيضاً خليل السواحيري، فخري قعوار، تيسير سبول، وغيرهم من الكتاب الذين لمعوا في تلك الفترة متأثرين بالقضية الفلسطينية.
امتدت هذه الحركة الثقافية حتى تطورت وبلغت أوجها على يد كل من سالم النحاس، غالب هلسا، جمال أبو حمدان، محمود الريماوي، وبدر عبد الحق.
وفي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، فقد اتسمت تلك المرحلة في الانتقال من الواقعية إلى التجريب، وكان ممن أسهموا في المشهد القصصي في تلك الفترة، يوسف ضمرة ، هند أبو الشعر، إلياس فركوح، هاشم غرايبة، جمال ناجي، محمد طمليه، سعود قبيلات، خليل قنديل، عدي مدانات، محمد عيد، مؤنس الرزاز، محمد خليل، قاسم توفيق، غنام غنام، جمعة شنب، أحمد الزعبي، محمد عارف مشة، سليمان الأزرعي، يوسف غيشان، ناهض حتر، سميحة خريس، زليخة أبو ريشة، سحر ملص، إنصاف قلعجي، وغيرهم من كبار كتاب القصة القصيرة.
 حتى اغتنت مسيرة القصة في الأردن على يد جيل التسعينات ونذكر هنا: زياد بركات، مفلح العدوان، يحيى القيسي، نبيل عبد الكريم، هزاع البراري، غسان عبد الحق، بسمة النسور، جعفر العقيلي، رمزي الغزوي، وياسر قبيلات، وغيرهم.
ولا يجوز لنا أن لا نذكر بعضاً من قصاصي الألفية الجديدة مثل: سناء الشعلان، ربيع محمود ربيع، علا عبيد، نادر رنتيسي، وغيرهم.
نعود للمخيم، الذي يقف الآن وحده في وجه الاحتلال، بصمة في قلب الأرض، ونموذجاً وحيداً للوجعن ومكاناً جريئاً لمن أراد أن يكتب عن الحقيقة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش