الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

درويش شاعر المفارقة والرسم بالكلمات

تم نشره في الخميس 9 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً


د. إبراهيم خليل
في العام 1977 اغتيل الشاعر راشد حسين (1936- 1977) في ظروف ليس هذا هو المجال المناسب للحديث عنها، فنحن نحيي ذكرى الشاعر محمود درويش لا راشد حسين، على أن لدرويش قصيدة في راشد حسين نجدها في ديوانه «أعراس» 1977 عنوانها «كانَ ما سوْفَ يكونُ» وهي قصيدة في رثاء الشاعر الذي عرفه قبل كتابة القصيدة، أو نشرها بنحو عشرين سنة، ولهذا عندما سمع بنبأ اغتياله في أمريكا سرعان ما تنثال الذكريات، فيستعيد على مهَلٍ بعض ما كان بينهما دون أن يفوته وصفُ الشاعر، كما لو كانت القصيدة حكاية، والحكاية في فصول، والفصول في حوادث، والمكان الذي يتسع لتلك الحوادث هو الجليلُ، والمناسبة هي يومُ الأرض، وما كان تعرض له هو وراشد حسين من مطاردة وتعسف:
«واختلطنا في صراخ (الفيْجَنِ) البري/ كسّرنا الأناشيد/ انكسرنا في العيون السّود/ قاتلنا. قتلنا. ثم قاتلنا وفرسانٌ/ يجيئون ويمْضُونَ/ وفي كلّ الفراغ/ سنرى صمْت المُغنّي أزْرَقاً حتى الغيابْ».
وبجلّ ما لدى الشاعر من قدرةٍ على سرْد التفاصيل يرسم لنا صورة (بورتريه) لراشد حسين. فهو فلاح جنوبي، قويّ، فاتح الصوت، واسع الكفين، عريض المنكبين، ذو بصر يرى أبعد من بوابة السجن، ويستطيع أنْ يُدْركَ الغيمة في خوذةِ جنديّ، بسيط في لغتهِ، بسيط في المَقهى، يحبُّ الناي:
«ويحبُّ  النثر والشِّعْرَ/ لعلَّ النّهْر نثرٌ/ ولعلَّ  القمح شعرٌ/ ويزورُ الأهل يوْمَ السّبْت ِ/ يرتاحُ من الحبْر الإلهيِّ/ ومن أسئلة البوليس ِ/ لمْ ينشرْ سوى جزْأيْن من أشْعارهِ الأولى/ وأعطانا البقيّة».
يروي درويش بعد هذه التفاصيل كيف غادر راشد حسين مطار اللـّد، ثم يصف ما كابدهُ في مطار القاهرة، وقد عبّر عن ذلك بصورة مبتكرة « في مساء ضيّق، وجسم من ورق، وشلال دبابيس، والشِّعْرُ يهربُ من القلب.. لماذا كلما «ابتعد عن يافا يختفي الشعر؟/ والتقينا بعد عام في مطار القاهرة/ قال لي بعْد ثلاثين دقيقة: ليتني كنتُ طليقًا/ في سُجون ِالنّاصِرَة!».
وقد اطـّردت الصور المعبّرة عن مأساة راشد حسين في مصر، ونيويورك، فقد كان يحسُّ بأنَّ عمْرَهُ يمضي هباءً، وأنه يفقد جلَّ ما هو جوهريّ، ولم يعدْ يُفرّق بين ما إذا كان حيًا أمْ أنه يواصل انتحاره. لذا يعدُّ له درويش مرثية مبكـّرة وجنازًا، فكأنه مشروع شهيد. وفيما يشبه المنولوج الدرامي يراوح الشاعر بين الكلام عن ذاته (أي: عن درويش) والكلام عن  الفقيد: راشد حسين: « هل مات منا احدٌ؟ كلا. تغيرتَ قليلا؟ لا . هل الرحلة ما زالتْ هي الرحلة، والميناءُ، والقلبُ .. نعم. كان بعيداً.. وبعيداً، ونهائيَّ الغياب «.
تمزج القصيدة – في الواقع- بين عناصرَ من المراثي القديمة، وأخرى من المراثي التي أشاعها درويش في أشعاره عن شهداء فلسطين؛ فليْس الموت هو موت الفقيد الذي يرثيه، بل هو موت الشاعر الذي يُؤبّنُ. فمن خلال رثائه لراشد حسين نجده يرثي الزمن الذي لعبت أقداره دورًا في جعل الفلسطيني يموتُ غدرًا في أجلٍ ليْس أجله، وفي مكانٍ ليس وطنه، وفي بدنٍ ليس بدَنَه هو:
«لم يتغيّر أيّ شيء/ والأغاني شرَّدَتْني. شرّدتني/ ليس هذا زمني/ لا ليس هذا وطني/ لا ليس هذا بدني/ كانَ ما سوْفَ يكونْ».
في هذه القصيدة لا بد من التنبه لمفارقات برع فيها درويش، أولاها تتجلى في العنوان الذي يحدث هزة لدى المتلقي، فكيف يمكن للشيء الذي لم يكن بعد (سوف يكون) أن يقال فيه (كان.. ) علاوة على هذه المفارقة يشير الحوار مع الشاعر في القصيدة لضيقه بمنفاه – مصر- فيتمنى لو أنه بقي في الناصرة، ولو سجينا على أن يكون طليقا بمصر : ليتني كنت طليقا في سجون الناصرة. فهذه أيضا مفارقة لفظية ساخرة تدهش المتلقي علاوة على تلك التفاصيل التي ترسم لمن رثاه الشاعر بورتريه لا تخلو من الدقة مؤكدا أن الشعر رسمٌ بالكلمات.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش