الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

محمود درويش.. عقد الأرض المحتلة 1960 ـ 1970

تم نشره في الخميس 9 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً


صبحي حديدي
اعتبر درويش أنّ مجموعته الأولى «عصافير بلا أجنحة» عمل «لا يستحق الوقوف أمامه. كنت في سنتي الدراسية الأخيرة، وكان تعبيراً عن محاولات غير متبلورة». وبالفعل، كانت القصائد محاولات مبكّرة لم تعكس القدر الكافي من تباشير صوته الخاصّ، بقدر ما تردّدت فيها أصداء تأثّره بالشعر العربي الكلاسيكي والحديث الرومانتيكي بصفة خاصة، وكان بعضها قصائد عمودية صرفة.
مجموعة «أوراق الزيتون»، 1964، سوف تمثّل ما أسميه «المرحلة الثورية» التي بدا فيها نصّ درويش ثورياً بالمعاني السياسية الإيديولوجية، ولكن أيضاً في التعبيرات الجمالية والفنّية. والقصائد الـ 26 تتناول موضوعات الأمل والمنفى والصمود والهوية والحزن، وفيها ينتقل الشاعر من الهمّ الذاتي إلى الهواجس الجماعية، والحلم الثوري، والتغنّي بالوطن، وحسّ الالتزام الثوري، والتضامن الإنساني والأممي (كما في قصائده «عن إنسان»، و»عن الأمنيات و»لوركا»). غير أنّ الهمّ المركزي الأبرز كان موضوعة تثبيت الهويّة، كما في قصيدته الشهيرة «بطاقة هوية»، التي سوف تشتهر باسم آخر هو السطر الاستهلالي فيها: «سجّلْ أنا عربي»، والتي تحوّلت إلى أيقونة لأفكار المقاومة والصمود والإعلان عن الهويّة، في الشارع العربي العريض أكثر بكثير من الشارع الفلسطيني نفسه.
لكنّ هذه المجموعة المبكرة سوف تحمل بعض تباشير صوت درويش الشعري المتميّز، الذي لن يطول الوقت حتى يتبلور وتترسّخ خصائصه الفردية بقوّة، ويتحرّر أكثر فأكثر من واجب الالتزام الإيديولوجي والقضايا السياسية المباشرة، ومن إغواء التفخيم اللفظي والإيقاع الخطابي. ولن نفتقر في هذه المجموعة إلى نموذجين مبكرين من القصيدة الطويلة ذات النفس الملحمي والمشهدي العريض، التي سيبرع درويش في كتابتها على امتداد مساره الشعري، هما «في المنفى» و»عاد في كفن». ولم يكن غريباً أن تذهب أولى القصائد الطويلة إلى موضوعات المنفى والمقاومة والشهادة.
مجموعة «عاشق من فلسطين»، 1966، سوف تدشّن أسلوبية قصائد المرحلة الثورية ـ الوطنية، حين لاح أنّ النزعة الثورية الشخصية، ذات الطابع الذاتيّ والوجداني الغالب، قد اندمجت في تيّار عريض أوسع، فصارت جزءاً من حركة وطنية فلسطينية شاملة تخصّ البقاء والمقاومة، إنسانياً وأدبياً أيضاً. والقصيدة الأولى، التي تحمل اسم المجموعة، تتابع خيار النصوص الطويلة (122 سطراً)، ولكنها تتخلى عن التقسيم إلى مقاطع منفردة، وتقوم بالتالي على بنية متراصة لافتة تماماً، في ذلك الطور المبكر من تجربة درويش. ولم يكن أمراً عابراً أنّ القصيدة تلحّ على رسم صورة للأنثى الفلسطينية تمزج بين الرهافة الغنائية والصلابة الملحمية، وتبرّر ما سيترسّخ طويلاً في ضمائر القرّاء وغالبية النقّاد كذلك، حول اندماج المرأة بالأرض في شعر درويش. وبالطبع، سوف تحفظ أجيال من الفلسطينيين، والعرب استطراداً، ذلك المقطع المتوهج الحارّ: «فلسطينية العينين والوشمِ/ فلسطينية الاسمِ/ فلسطينية الأحلام والهمّ/ فلسطينية المنديل والقدمين والجسمِ/ فلسطينية الكلمات والصمتِ/ فلسطينية الصوتِ/ فلسطينية الميلاد والموتِ»...
إلى هذه المرحلة تنتمي، أيضاً، مجموعة  آخر الليل ، 1967، ولعلّ جديدها الأبرز على الصعيد الفنّي كان ارتقاء مهارات درويش في إنجاز تشكيلات إيقاعية عالية الاعتماد على الوزن والقافية، حتى بلغ بعضها مستوى البيت العمودي غير المباشر؛ أي ذاك الذي يغاير في عدد التفعيلات بين سطر وآخر، لكنه ينتهي إلى صيغة البيت العمودي (كما في استهلال قصيدة «لا مفرّ»: «مطرٌ على أشجاره ويدي على/ أحجاره، والملح فوق شفاهي/ مَنْ لي بشبّاك يقي جمر الهوى/ من نسمة فوق الرصيف اللاهي»...). قصيدة «موّال» تذهب إلى الموشح، دونما تمويه هذه المرّة، لأنّ درويش أرادها أن تأخذ صفة الموّال بالفعل، إيقاعياً أوّلاً في نصّها المكتوب بالفصحى، وكذلك في اللازمة المقتبسة من الموّال الشعبي الفلسطيني «يمّا مويل الهوى».
كذلك ضمّت هذه المجموعة نموذجين من قصائد درويش التي تتحاور مع الشخصية اليهودية: الأولى هي «ريتا والبندقية»، التي لا تشي بيهودية الأنثى المعشوقة، ولكنها تشير إلى وجود حاجز البندقية بين العاشقين؛ والقصيدة الثانية هي «جندي يحلم بالزنابق البيضاء»، حيث الآخر جندي إسرائيلي قاتل في حرب 1967 ولكنه ينوي الرحيل. هذا الطراز من الحوار، الذي سوف يتكرر على أكثر من وجه في قصائد هذه المرحلة، بدا متحرراً من أيّ نزوعات عنصرية أو شوفينية، خصوصاً وأنّ درويش كان في ذروة اعتناقه للماركسية. ولكنه في الآن ذاته كان حواراً مسلّحاً بهوية للذات وصفها الشاعر نفسه، إذْ استذكر مجزرة كفر قاسم، هكذا: «إنني مندوب جرح لا يساوم/ علّمتني ضربة الجلاّد أن أمشي على جرحي/ وأمشي../ ثمّ أمشي../ وأقاوم!».
مجموعة «العصافير تموت في الجليل»، 1969، تواصل موضوعات المرحلة الثورية ـ الوطنية، ونقرأ قصائد عن الهوية والمقاومة والسجن، والمزيد من الحوار مع الشخصية اليهودية، كما في قصيدة «المزمور الحادي والخمسون بعد المائة»، التي تتابع تقليداً سوف يتكرر في اقتباس التوراة وتوظيفها سياسياً وإنسانياً على سبيل إدانة المشروع الصهيوني الاستيطاني والعنصري. من جانب آخر، تغلب على هذه المجموعة موضوعة قصيدة الحبّ (10 من أصل 19 قصيدة)، بالقياس إلى الموضوعات الأخرى المألوفة لدى الشاعر، وتنذر بسيل قصائد الحبّ التي سيكتبها درويش في السنوات اللاحقة (الأمر الذي ستكون إحدى أرفع تجلياته مجموعة «سرير الغريبة»، 1999).
يُلاحظ، كذلك، أنّ «العصافير...» تستقرّ، أكثر من أيّ سابقاتها، على تشكيلات إيقاعية هادئة ومركبة في آن معاً، وفيها يميل درويش إلى ما يشبه المزج السيمفوني بين التفاعيل، خصوصاً الرمل (وكان في السابق أكثر إقبالاً على التفعيلة الواحدة، الكامل ومجزوء الخفيف تحديداً، مع تنويع أعدادها بين سطر وآخر)؛ وإلى تخطيطات في التقفية تتفادى تعاقب القافية الواحدة في آخر السطور، أو لا تلتزم البتة بنظام دَوْري في تواترها، بحيث تندسّ داخل السطر الواحد تارة، أو تفتتح سطراً جديداً طوراً، فتبدو أقرب إلى نقلات تفتح إيقاعات التقفية بدل إغلاقها. ولكي يؤكد على هذه النقلة الأسلوبية، يقترب درويش من حافة التخلي نهائياً عن القافية في كثير من أجزاء قصيدته «حبيبتي تنهض من نومها»، مستهلّ المجموعة التي صدرت سنة 1970 بالعنوان ذاته؛ سيّما وأنها قصيدة طويلة (أكثر من مائتي سطر، موزّعة على ستة مقاطع، وتدير حوارات درامية بين مجموعة أصوات).
*   *     *
في جميع أعمال هذه المرحلة، 1960 ـ 1970، كان شعر درويش جزءاً أساسياً من الحركة التي عُرفت في العالم العربي باسم «شعر المقاومة»، وضمّت شعراء من أمثال توفيق زياد وسميح القاسم. صحيح أنّ قصيدته كانت، عموماً، تتطوّر ضمن المنطق ذاته والموضوعات ذاتها، ولكنّ درويش امتاز عن أقرانه في خصائص عديدة؛ بينها غزارة إنتاجه، والأفق الإنساني الأعرض لموضوعاته، وحسن توظيفه للأسطورة والرموز الحضارية الكنعانية والبابلية والسومرية والفرعونية والهيللينية، وبراعته في أسطَرة الحدث اليومي والارتقاء به إلى مستوى ملحمي في الآن ذاته، ورهافة ترميزه للمرأة بالأرض، ومزجه بين الرومانتيكية الغنائية والتبشير الثوري، وسلاسة خياراته الموسيقية والإيقاعية، وحرارة قاموسه اللغوي، وميله إجمالاً إلى الصورة الحسية بدل الذهنية.(*)
(*) مجتزأ من فصل في كتاب عن محمود درويش، يصدر قريباً.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش