الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بيت للزكاة ومصلحة للضرائب والأسئلة الشائعة للإدارات المالية المعاصرة

تم نشره في الثلاثاء 17 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً

عادة يرتفع معدل الضرائب في الدول الفقيرة المدينة عادة، فالضرائب هي الطريقة الأريح لتحصيل الواردات، وهي تناسب قلة حيلة القائمين عليها، وتتناغم مع انتشار الفساد فيها، وتتجاوز معدلات الضرائب في الدول الفقيرة (30%) وغالباً ما يُزاد عليها ضرائب القيمة المضافة، لتصل معدلاتها إلى (50%). وهذا يتجاوز معدلات ضرائب بعض البلدان الغنية، مع فارق جليّ: فالرقابة الصارمة على النفقات العامة في الدول الغنية يقابلها غياب تلك الرقابة في الدول الفقيرة، ما يتيح للدول الغنية تسويغ فرض الضرائب من خلال ما تقدمه لشعوبها، أما الدول الفقيرة فتتمادى في زيادة معدلات الضرائب سنوياً وبشكل مضطرد بما يناقض الفكر المالي التقليدي الذي شرعن الضرائب، حيث يجب خفض معدلات الضرائب في ظل دورات الانكماش.
وبما أن الدول الفقيرة المدينة مضطرة لتوجيه وارداتها نحو وفاء الديون الخارجية، فهي لن تستطيع إنشاء البنى التحتية لبلادها، أما ارتفاع معدلات الضرائب، فمؤداه إحجام الشركات الأجنبية والمحلية عن بناء المصانع والمعامل، لأن الضرائب تقتل أي إيراد تحققه تلك الشركات، فإن أُعفيت الشركات الأجنبية من الضرائب كما تفعل قوانين الاستثمار فهي تستفيد من فترة إعفاءها، ثم سرعان ما تنهي أعمالها، ويزداد انحسار الشركات المحلية، ويتحول ما بقي منها لخدمة الشركات الأجنبية هرباً من دفع الضرائب.
وبسبب الحاجة المستمرة للاقتراض تحاول الدول الفقيرة أن تبدو بصورة جيدة أمام الدول المقرضة، وأنها قادرة على جمع الأموال لسداد القروض ومستحقاتها، لتكسب مزيداً من القروض، فتدمر اقتصادها وتُدخله في كارثة اقتصادية، وما هو معلوم للجميع.. أن الاقتراض العام دون سبب وجيه ومبرر، فيه ظلم للأجيال القادمة على حساب توسع الأجيال الحالية، وهذا ليس من العدل، وينطبق عليه القول الشعبي..(الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون).
دور الدول وحكوماتها
مما لا خلاف عليه أن الدول وحكوماتها هي ممثلة لشعوبها ومصالحهم، مهمتها الحفاظ على تلك المصالح وحمايتها، وحقيقة الأمر أن الحكومة بجميع أفرادها أُجراء لدى الناس وهم مستأمنون على أرباب عملهم وليس العكس صحيحاً.
وللأجير أجراً لقاء عمله، ويده يد أمانة ما لم يتعد أو يقصر، فإن تعدى أو قصّر تحولت يده إلى يد ضمان، وعليه ما أحدثه نتيجة تعديه وتقصيره. وليس له أن يستخدم من الموظفين والأجراء دون حاجة، كما ليس له أن ينفق دون سبب وجيه.
لقد استحدثت شريعة الإسلام بيتاً لمال المسلمين أوجدت له واردات ينفق وليهم منها على ما يعينه على خدمتهم، وهذا فارق جوهري في الفكر المالي الإسلامي، فهو قائم على أساس نظرية الإيرادات، وليس الحال كما هو عليه الفكر المالي التقليدي، الذي يقوم على أساس نظرية النفقات، وهذا ديدن جميع الحكومات المعاصرة في العالم، فهي تحتسب حاجتها للنفقات ثم تعمل على استصدار قانون عبر قنواتها التشريعية، يسمى بقانون الموازنة، يتقرر بموجبه فرض ضرائب على قطاع الأعمال، لتمويل ما تم اعتماده من نفقات، وإنه كلما استشرى الفساد زادت ويلات هذه النظرية وسقط العدل من يدها، أما نظرية الإيرادات فتتناسب وأبسط الأمثلة الشعبية.. (على قد بساطك مد رجليك)، هذا إذا سلمنا الأمر ببساطة.
إن لبيت مال المسلمين واردات تخصه وعلى ولي الأمر أن يتدبر أمر موازنته في حدودها، فإن صادفته سنوات قحط وجدب، فله أن يستدين ليرفع الحيف والحاجة عن الناس، كما له أن يفعل ذلك إن أصاب العجز بيت ماله.
وشريعة الإسلام ضبطت سلوك الحاكم في مجابهة تصرفات من تولى أمر الناس في جمع الواردات، فهو مخير بين فرض الرسوم على الناس أو أن يستدين لأجلهم، ولا يعتبر من الإنفاق الإسراف والتبذير، لنهي الآية الكريمة صراحة عنه (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) (الفرقان ).
السياسات المالية الكلية في الاقتصاد الإسلامي
كان (عمر الفاروق رضي الله عنه) مخيراً في عام المجاعة بين أمرين.. أن يفرض على الناس رسوماً (سوى الزكاة)، أو أن يستدين، لكن ذكاءه المالي ذهب لتطبيق سياستين ماليتين غير الخيارين السابقين، فهو ..توجه نحو الاستدانة الداخلية من أموال الزكاة مقدماً، ليصرفها على الناس حتى يعود حالهم بأحسن مما هم عليه.
شدّ الحجر على بطنه تأسياً بسيد الخلق (محمداً صلى الله عليه وسلم) وهذا كناية عن التقشف الحكومي للحد من الإنفاق، وقد خاطب (رضي الله عنه) بطنه عندما قرقرت جوعاً وتضوراً، قائلاً لها (قرقري أو لا تقرقري، لن تذوقي اللحم حتى يشبع أطفال المسلمين). والحمية الاقتصادية تبين أهمية سياسة تقشف اقتصاد المسلمين أسوة بسنة صيامهم.
واللافت للنظر عدم توجه (الفاروق رضي الله عنه) نحو الاستدانة من الخارج أو تسرعه بفرض ما (سوى الزكاة)، وذلك لأنه تربى في مدرسة (النبي صلى الله عليه وسلم)، الذي ربى الناس ثلاثة عشر سنة على أن لا يتمادوا في الدَين عندما كان يبني المجتمع، ثم مع بنائه للمجتمع المدني، جاءته آية الزكاة تشريعاً إلهياً، وفيها مصرف للفقراء والمساكين كما فيها مصرف الغارمين ليشترك المجتمع في حلّ هذه الإشكاليات التي قد يقع بها الناس، ثم قرر (صلى الله عليه وسلم) سياسة مالية في خطبة وداعه.. بأن من ترك مالا أو ضياعاً فهو عليه (صلى الله عليه وسلم)، بصفته الاعتبارية كولي لأمر الناس، ويحل محله بيت المال، فكان من واجبات بيت المال فك الغُرم عن الغارمين.
إن الاستدانة الداخلية من أموال الزكاة عن سنوات قادمة، هو تكليف على الأغنياء دون الفقراء فالزكاة تُفرض على الأغنياء فقط، كما أن لجوئه (رضي الله عنه) لمصدر الزكاة دون سواها، إنما ليشارك المسلمون الأغنياء بطيب خاطر وليس قسراً مقهورين. وقد قرر الفقهاء /لاحقاً، سياسة مالية أسموها.. (التوظيف على بيت المال)، حيث لبيت المال واردات (سوى الزكاة) إنما بشروط شرطوها، بأن يكون بيت المال فارغاً، والأمة في جائحة، وأن يفرض على الأغنياء، وأن تتوقف هذه السياسة الاستثنائية إذا لم يعد بيت المال فارغاً أو بانقضاء الجائحة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش