الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عبق المكان والزمان في ديوان «أردنيات» لمحمد سمحان

تم نشره في الجمعة 13 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً

سعيد يعقوب
يبني الشاعر محمد سمحان عالمه الشعري الخاص به في ديوان أردنيات، الصادر عن وزارة الثقافة الأردنية عام ألفين وسبعة عشر على أسس صلبة من المكان الأردني الخالد، متخذا من هذا المكان نقطة انطلاق للتعبير عن تصوراته وأفكاره، وعواطفه ومشاعره، التي يحملها في عقله وقلبه، وقام ببثها في ثنايا قصائد هذا الديوان الخالد بخلود موضوعاته، التي تتشكل من مفردات المكان الأردني بما يعبق به من أصالة وعراقة وتاريخ وحضارة هذا المكان الذي يتحدث عنه، ولا يخفى على متتبع للشعر العربي أن المكان احتل عند القدماء منزلة رفيعة، ومكانة عظيمة، لأنه مسرح الذكريات، ومجلى الصبوات، ويكتنز أجمل اللحظات التي مرت بالشاعر، فتصدرت الأماكن مطالع قصائدهم، كما هو معروف في الشعر الجاهلي، وخصوصا المعلقات التي تبدأ عادة بالوقوف على الأطلال، في هذا الديوان نقع على كنز ثمين، تكمن أهميته في استحضار المدن الأردنية العريقة.

 بما تحتفل به من أحداث وآثار تعصى على الزوال والاندثار، إن الشعر الخالد في رأينا هو الشعر المتعلق بخالد مثله، ولعل الأمكنة هي أبرز الأشياء الخالدة، وإنها التفاتة ذكية من الشاعر أن يتخذ من المكان والزمان جسرا يعبر عليه للتعبير عن هواجسه الخاصة، وعواطفه وأفكاره، لأنه يضمن ابتداءً موافقة ضمنية على مايقول من المتلقي، الذي يشاركه هذه المحبة لهذه الأماكن، فالمتلقي يعرفها إما بسكناها أو بزيارته لها أو بقراءته عنها، أو بمشاهدة صورها في وسيلة من وسائل المعرفة، وهي نقطة مهمة في تأسيس مرجعية مشتركة بين منتج النص من جهة ومتلقيه من جهة أخرى، حين يقرأ المتلقي شيئا يشكل له جزءا مهما في حياته، ويرتبط به وجدانيا ويتصل به اتصالا مباشرا عبر مرجعية واحدة طرفاها المبدع والمتلقي معا، مما يعني تماهيا في المشاعر وانسجاما في الأفكار، مما يسهل على الشاعر باعتباره منتجا للنص هنا مهمة ايصال الفكر، وضمان الإقناع لما يريد ايصاله من رسائل عبر الفن الذي يتجسد شعرا، ولغة ترشح بجماليات القول، ومظاهر التفنن في التعبير الجمالي..
يكشف ديوان أردنيات لمحمد سمحان أمرين اثنين الأول هو مدى تعلقه بالمكان الأردني وحبه له وشغفه به، بل هو مسكون بهذا المكان، وهذا مرتبط أساسا بالتخصص الأكاديمي للشاعر، فهو خريج تخصص الجغرافيا من الجامعة الأردنية عام ألف وتسعمئة وثلاثة وسبعين، ولكن الجغرافيا مرتبطة دائما بالتاريخ والتاريخ هو سجل لأحداث وقعت في هذا المكان، فالارتباط العضوي بين الجغرافيا والتاريخ دفعه إلى البحث والتنقيب في دهاليز الزمن والوقوف طويلا في ردهات الحقب التاريخية التي مرت على هذا المكان، فالشاعر سمحان يتصدى لكتابة قصائد المكان الأردني مدججا بسلاح المعرفة الدقيقة للجغرافيا وللتاريخ، ولذلك نرى في الديوان ومن خلال قصائده معرفة واسعة بأدق تفاصيل الأحداث التاريخية التي وقعت في هذا المكان الأردني.كما هو الحال في جل قصائد هذا الديوان، كقصيدة أم قيس وقصيدة مادبا وقصيدة عمان و قصيدة الكرك وقصيدة السلط وقصيدة العقبة وقصيدة جرش وقصيدة المفرق وغيرها من القصائد، ولكن المعرفة الدقيقة بالجغرافيا والتاريخ وحدهما لا تصنع شعرا جميلا وفنا خالدا، إلا إذا امتلك الشاعر الأداة الفنية التي يستطيع أن يعبر من خلالها عما يحسه تجاه هذه الأمكنة، ويحوّلها إلى لوحات فنية بارعة الجمال، وهذا ما فعله تماما سمحان، بعد أن وشّاها بجماليات اللغة ونمنمها بالبيان الساحر الخلاب، فتحولت هذه الصور المادية، إلى صور ذهنية تبعث النشوة في نفوس القراء وتستثير الإعجاب في السامعين أو القرّاء على حد سواء، والواقع أن سمحان بما يمتلكه من قدرات لغوية متقدمة، ومهارات بيانية واسعة، وموهبة أصيلة، ومعرفة عميقة، استطاع أن يصوّر لنا بعين الفنان البارع، والمصور الماهر، هذه الأمكنة وينقلها من حالتها الجامدة إلى حالتها الشعورية النابضة الحيّة، انظر إليه وهو يتحدث عن وادي رم في المخيم الإبداعي الذي أقامته وزارة الثقافة لثلة من المبدعين الأردنيين حين حوَّل الصمت المطبق، والجماد الساكن والرمل الراكد، إلى كائن حي ينبض بالمشاعر والأحاسيس:
«وداعا لسحر الليل والرمل والصخر/ وروعة نور البدر في الليلة البدر/ ويا حبَّذا شمس الغروب يشفّها/ عذاب أسى الترحال في شهقة العصر/ سلام على رمٍّ سلام مودِّع/ ويا صبر جُدْ لي بالجميل من الصبر/ وحسبك يا وادي الأعاجيب أنني/ نقشتك وشما في فؤادي وفي شعري».
وانظر إلى رائعته التي صاغها ذوبا من وجدانه ودفقا من مشاعره تجاه مدينة المفرق وجوارها حيث يقول:
«وقف الخلود أمام مجدك مطرقا/ وجثا الزمان مطأطئا ومصدِّقا/ واستلهم الواحات بين رماله/ حيث البقاء على الفناء تفوّقا/ وانعم بأدواح الظِّليل وظله/ وبكوثر من مقلتيه ترقرقا/ واخشع إذا أم الجمال تبرَّجتْ/ واللازورد بكلِّ شيء أحدقا/ سمراء في بحر البياض كأنها/ خالٌ على خدِّ الرِّمال تخلَّقا».
ولا يغيب عن المتذوق والقارئ اللبيب ما في هذه الأبيات من براعة الاستهلال، ومن عبقرية الخيال والتصوير، أضف إلى ذلك مدى حب الشاعر وتعلقه بهذه الأمكنة، التي يحرص على ذكرها، من أجل أن يبث عبرها فكره الوطني و القومي والإنساني والحضاري، مرتكزا على ما يتمتع به من ثقافة واسعة، ومهارة لغوية نادرة، وهو يقارن بين حال الأمة اليوم، وهو يعتصر ألما لما آلت إليه هذه الحال، وبين ماضيها العريق ومجدها التليد، الذي ينبض بالعزة والكرامة والأنفة، ليؤشِّر بذلك على ضرورة أن تعود هذه الأمة إلى وَحدتها التي هي منبع قوتها وأساس عزتها، لتستعيد دورها الفاعل، في إثراء الحضارة الإنسانية، وهذا ما نلحظه جليا وواضحا في قصيدته مادبا، هذه المدينة العظيمة التي بناها الملك المؤابي ميشع، احتفالا بنصره الخالد على اليهود العبرانيين، في معركة نيبو في القرن السابع قبل الميلاد تقريبا، وقد جعل الحديث فيها على لسان مادبا حين جرد منها شخصا ناطقا بمجدها، ومآثرها وآثارها:
«لي ميشعي ومسلتي ومؤابي/ ومفاخر التاريخ فوق هضابي/ ونقشت في ذيبان سِفرا خالدا/ لا يمّحي دوَّنْتُه بحرابي/ وكتبتُ في» نيبو « العظيم حكاية/ تروي انتصاراتي على الأحقاب».
في هذه القصيدة الخالدة يستدعي الشاعر التاريخ المتضمن انتصارات ميشع المؤابي على الغزاة العبرانيين المنقوشة على مسّلة أو حجر ميشع الموجود الآن في متحف اللوفر بباريس، فهو يتحدث عن أبرز الأحداث التي وقعت في هذا المكان، ليصل إلى ما يريد، ويوصله بعد ذلك إلى الآخرين، لأن كل قصائد هذا الديوان تدور حول هذه الفكرة، وهي ابتعاث المجد المكنوز في الأمكنة الأردنية ليكون بارزا واضحا أمام الأجيال الجديدة ليستنهض فيها الحميّة والبطولة لإعادة صياغة وتشكيل التاريخ من جديد ليكون موصولا بتاريخ الأجداد العظام، إن التطواف في هذا الديوان الماتع يوفر فرصة رائعة للقراء تجمع بين المعرفة والجمال، وديوان أردنيات حصل به الشاعر عام ألفين وسبعة عشر على جائزة الشاعر الراحل حبيب الزيودي، ولعل من مفارقات القدر أن يأخذ الأستاذ جائزة أحد تلاميذه، حيث نشر حبيب رحمه الله مقالة في صحيفة الرأي الأردنية، في زاويته الشهيرة «قفا نحك» قال فيها : أن الشاعر الكبير محمد سمحان كان أستاذه، وتتلمذ على يديه شعرا، الواقع أن هذا الديوان يحتاج إلى وقفة أطول، ومزيدا من البحث والدراسه لسبر أغواره واستكناه مجاهله واستبطان أعماقه، وهو يصلح أن يكون مادة لرسائل الماجستير والدكتوراه في الجامعات، وحريٌّ بهذه القصائد أن تكون في مناهج وزارة التربية والتعليم، والجامعات الأردنية، لعلنا بذلك نتدارك تقصيرا كبيرا لحق بتجربة سمحان الشعرية ونوفيه بعض حقّه علينا وعلى أردننا الغالي الذي مجَّده الشاعر وتغنَّى به، وأن تتوّج هذه الجهود في هذا التدارك بلفتة كريمة من وزارة الثقافة الأردنية بمنحه جائزة الدولة التقديرية .باعتبار ذلك استحقاقا لهذه التجربة الممتدة عبر عقود طويلة من الإبداع والإنتاج الشعري والنقدي.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش