الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

السجـن

تم نشره في الجمعة 13 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً

نايف النوايسة
علّقتُ عينيَّ على شِباك العتمة ثم انزلقتُ معهما إلى قاعِ الجُبِّ الصامت.
في العتمةِ والصمتِ يحتنكُك ضجيجٌ داهمٌ لا حيلةَ لك في دفعِهِ، يندفع من غَيابات نفسك وينفجرُ من أذنيك..
تقاومه ثم تتعايش معه وحينما يصبحُ دفْعُهُ عسيراً تنساه.. هو ذاته ما يفتحُ مغاليقَ الذاكرةِ على مصراعيها.
غضّاً كنتُ وبالكاد أردُّ الذبابَ عن وجهي المتلفعِ بالبراءة، ولا يعرفُ لساني إلاّ ألفاظاً لها صلةٌ بوالدي ووالدتي.. كلُّ من حولي غارقٌ في النوم.
رغبة بالتبول تقض مضجعي، قاومت وقاومت لكن دون فائدة؛ أأُوقظ جدتي أم زوجة عمي أو..؟ آه يا أمي لو كنتِ موجودة لما وقعت في هذا المأزق! شؤبوب ساخن يندلع على فخذي ويبلل سروالي ويتسلل الى فراشي..
خفت كثيراً لكنني شعرت بالراحة وأنا أتخلص من هذا الحِمْل المؤذي.. غفوت وسط بركة البول الذي بدأ يلسعني ببرودته.. تقاذفتني الأحاسيس بين لذة الراحة بعد التبول وانتظار ما يخبئه لي الصباح من بطش الجدة والعمة! لا يهم ذلك ما دمت تخلصت من سطوة البول...
الدار كبيرة والنيام لحظتئذٍ من أعمار مختلفة وملتصقون ببعض ما عداي فقد كنت معزولاً.. كانت والدتي لا تُبارح عينيّ كلما طاف بهما طائف من نعاس.. وأتمتم: أين هي يا تُرى؟!
تنقضي ساعات الليل بسرعة.. تمدد فوقي خيط من شعاع تسلل من سلّة الشمس، وفتحتُ عينيّ لأجد والدي قد غادر إلى الدكان.. تحسستُ سروالي المبلول فارتعدت خائفاً.. تمنيت لو تركوني نائماً حتى تعود والدتي.. يدٌ متوحشة انتزعت الغطاء عني فصدمتها رائحة البول فتأففت متقززة، فحملتني كما لو تحمل فأراً مبلولاً ثم قذفتني إلى وسط المخزن داخل الدار..
ولبثتُ في المخزن المعتم ساعات عددا..ً لا أدري من العتمة ما أشياء، لكنني تيقنتُ بأنني وسط مملكة من الحشرات والقوارض.. التزمتُ الهدوء بعد موجة من البكاء.. تعايشت مع عتمة الحبس.. كنتُ أسمع كل نأمة حولي، ولا تفوتني حركةُ برغوث يقفز أمامي أو فأرٌ يركض بين رجليّ..
صممتُ على الهرب من هذا السجن..
شقوق باب المخزن تسمح لي بأن أرى كل شيء في الدار؛ أشعة الشمس المتسللة من الطاقة.. ظلال الأجسام المتحركة، وكنت أسمع الهمس والنقاش والنداءات.
والدي لم يعد.. الأصوات تخفت وينطبق باب الدار.. صمت مطبق يطوّق المكان.. هززت باب المخزن هزّاً خفيفاً.. لا أحد ينتهرني.. هززته مرات ودفعته.. مددْتُ عنقي بحذرٍ استطلع زوايا الدار.. ليس هناك من أحد..
أسرعت مهرولاً إلى باب الدار فوجدته مفتوحاً ومثل التماعة البرق غادرت الحوش راكضاً.
كنت أسأل نفسي: أين غادروا؟ حتى ابن عمي الذي كان لا يفارقني لحظة واحدة اختفى.. لا بأس.. المهم أنني حررتُ نفسي من كابوس الحبس.
غذذتُ الخطى إلى دارنا في الحارة الأخرى.. ما أجمل أن يكون الإنسان حراً ويعود إلى وطنه.. دفعت باب حوشنا وهرولت الى باب الدار ثم افترشت الأرض فَرِحاً.. سورة من البكاء تجتاحني، فأنادي بأعلى صوتي: يا أمي.. لكن مجيب..
كيف غفوت؟ لا ادري..
رأيت أمي تحمل غيمة كبيرة وتضعها بيني وبين الشمس.. يداها تقلباني ذات اليمين وذات الشمال، وعلى شفتي نداءٌ خافت.. تقترب مني أمي وتحملني بين ذراعيها فأطوق عنقها وتقول: يا حبيبي.. فتحتُ عيني فبللتهما دمعات جارتنا الحاجة نجمة.. دققت بوجهها أكثر، نعم هي الحاجة نجمة ذاتها.. أحسست بالطمأنينة وهي تضمني إلى صدرها وتذهب بي إلى دارها.. ت      تُُرسل إلى والدي الذي جاء مهرولاً وهاله ما رأى.. الحاجة نجمة بلا ولد وتحضنني بحنان، وعلى لسانه: ما الذي أتى به إلى هنا؟ ولم تَطُلْ حيرته إذ قصت عليه الحاجة نجمة كل الذي سمعتْه مني..
حملني أبي ودموعه تُبلل وجهه العريض ومضى بي إلى خالتي الكبيرة..
نفضت عيني من شِباك العتمة وصعدت من جُبّ السنين واستعدت وجهي المُغضّن لألحق بالسيارة على سلّم العمر.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش