الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المياه وصراع الحياة

د.حسان ابوعرقوب

الاثنين 2 تموز / يوليو 2018.
عدد المقالات: 40

المحافظة على المياه، وترشيد استهلاكها، لا بد أن يتحول من مجرد إعلانات ونصائح إلى ثقافة وطنية عامة، وسلوك جماعي متأصل يشكل جزءًا من الهوية الوطنية. وللوصول إلى هذه الغاية لا بدّ من وضع خطة استراتيجية وطنية شاملة تنشر الوعيَ الصحيح بأهمية المياه، وكيفية المحافظة عليها من خلال المناهج الدراسية، والخطاب الإعلامي والديني، وتعزيز ذلك بقوانين فاعلة ورادعة تلزم الفرد والمجتمع بالمحافظة على المياه كأحد الثروات النادرة في وطننا الحبيب؛ لأن نضوبَه يشكل خطرًا على الحياة الإنسانية، والأمن القومي للبلاد.
الماء مركب أساسي لوجود الحياة واستمرارها؛ فمن الماء خلق الإنسان، ويعيش عليه في حياته، وكذلك النبات والحيوان يفتقران في استمرار وجودهما عليه، فحيث وجد الماء وجدت الحياة، والعكس صحيح، وإلى هذا أشار أبو الأنبياء، سيدنا إبراهيم عليه السلام، لما أنزل سيدنا إسماعيل عليه السلام، وأمه هاجر في مكة، ووصفها بأنها (وادٍ غير ذي زرع) فانعدام الزرع يشير إلى انعدام الماء والإنسان والحيوان، فهو بيئة غير صالحة للعيش، وغير قابلة للحياة.
عندما نتحدث عن الماء ودوره في الحياة، يحضر في أذهاننا منافع أخرى يحققها وجوده، كالنظافة، والطهارة، والطاقة، والطهي، والاستشفاء. فالحديث عن الماء ليس حديثا عن مسألة ترفيهية أو كمالية، بل هي قضية وجودية غاية في الخطورة، طالما كانت سببًا في الصراع بين الأمم ولا زالت.
وإذا نظرنا في تاريخ الأمم والشعوب وجدنا أن الماء هو نقطة التقاء يتقاطع عندها تفكيرهم، فحيث توجد المياه والآبار والعيون والأنهار تنشأ الدول وتقام الحضارات والحاضرات، ويبني الناس مدنهم، وحيث وجد الماء تزداد الكثافة السكانية، والعكس صحيح، مما شكل ويشكل ضغطا هائلا على هذه النعمة الإلهية، فكان الإنسان بحاجة إلى اختراع وسائل متعددة لنقل المياه إلى أبعد مدى ممكن، ليقلل من كثافة السكان حولها، وليفكر في إيجاد حلول لشح المياه عن طريق البحث عن المياه الجوفية، وتخزين ماء السماء في الآبار والخزانات والسدود، وتحلية مياه البحر؛ لضمان استمرار الحياة.
الماء مصدر الحياة ، لكنه قد يتحول إلى مصدر للنزاع والصراع، ففي الحالة العربية مثلا نجد أن بعض الأنهار الكبرى كالنيل والفرات ودجلة تنبع من خارج الأراضي العربية، فدجلة والفرات ينبعان من جبال طوروس، جنوب شرق الأناضول في تركيا، ونهر النيل ينبع من البحيرات العظمى وسط أفريقيا، وتشكل السدود التي تقام خارج الحدود في دول المنبع مشكلة مائية للدول العربية (العراق وسوريا، ومصر والسودان) فمشكلة المياه ليست محلية فقط بل هي عربية ودولية.
يعتبر الأردن من أفقر دول العالم في الماء، وحصة الفرد منه متدنية جدًا، حيث تقل عن 100متر مكعب سنويا، وفي دولة مثل ألمانيا نصيب الفرد يبلغ 110 متر مكعب يوميًا. وهذه المقارنة تشير إلى الفقر المائي الرهيب الذي يعاني منه الفرد في بلدنا المبارك.
وبناءً على ما سبق، لا بد من وضع خطة استراتيجية لها ثلاث مسارات، الأول، المحافظة على  الموجود وترشيد الاستهلاك، والتقليل من الفاقد قدر المستطاع، ومحاربة السرقات صغيرها وكبيرها، وأرى شخصيا أن سرقة المياه أو الاعتداء عليها يشكل جريمة تمس أمن الدولة، فسارق الماء لا يقل إرهابا عمن يقتل أو يفجر الأبرياء. والثاني، إيجاد البدائل المناسبة، كتحلية المياه المالحة، ووضع خطة لآبار التجميع ولا تكون فردية فقط، بل يتخذ قرار إنشائها على مستوى الدولة عن طريق البلديات والمحافظات، وليس في البيوت فقط. والعمل على اكتشاف المزيد من المياه الجوفية. الثالث، تعزيز مسار البحث العلمي ودعمه بسخاء لإيجاد الحلول المناسبة لكل ما سبق، والاستعانة بخبرات الجامعات ومراكز الأبحاث، ورصد الجوائز التي تشجع طريق البحث العلمي الذي يساهم في حل مشكلة المياه في بلدنا.
وعلى جميع المؤسسات والدوائر أن تتكاتف جنبا إلى جنب، وأن تبذل غاية وسعها في سبيل هذه القضية الحساسة، لتشكل رأيا عامًّا، وثقافة واضحة مبناها المحافظة على المياه، والبحث عن حلول لمشكلتها؛ لتظل همًّا وطنيا حاضرًا كلّ يوم، لا أن تكون تحت الضوء في يوم المياه العالمي فقط.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش