الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حـــق الاعتقـــاد وحـــق الانتقـــاد

تم نشره في الجمعة 22 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً
د. عارف عزالدين حسونه*




قدمنا في مقالتين سابقتين أن ما ثبت لغير المسلم من حق الاعتقاد، لا يمنع في الآخرة مؤاخذتَه على معتقده،ولا دَعْوَتَه في الدنيا إلى تصحيحه، وأن الحكمة من التسامح الديني معه أن يكون ذلك تَوْطِئَةً وتمهيداً لدعوته إلى الإسلام بإزالة الوحشة والحوائل الشعورية بينه وبين المسلم، حتى يحصل له بذلك استعدادٌ نفسيٌّ وعقليٌّ لتلقّي ما يُلقى إليه من الدِّلالة على الدين الحق، والإرشادِ إلى صحيح الـمِلَّةِ، من غير أن يُخالِـجَهُشعورٌ بالبغضاء أو المهانة، أو يَعْـتَوِرَهُ تَوَجُّسُ خيفَةٍ من فتنة عن دينه. ولقد بقي في هذه المقالة بعدُ، أنْ نفصِّل شيئاً قليلاً في شرح علاقة الحق في الاعتقاد، بالحق في انتقاد المعتقد، كلما ثبتَ في العلم بطلانُه وزيفه، ولزمَ على منهج الحق فسادُه وعَوارُه؛ فنقول:
إن الدعوة إلى أي دين أو مذهب فكري - ولو أرضيّاً - لا بد لها من مسلكين لا يَكْمُلُ أحدهما إلا بالآخر، ولا يتم إلا به، وهما : بيان محاسن الدين أو المذهب،وبيان مَقابح أضداده مما تَسْتَقْبِحُهُ العقول القويمة، أوتَـمُجُّه الطباع السليمة. فإن ببيان محاسنه يحصل استحسانُه له والإغراءُ به، وببيان مقابح أضداده، تحصل معرفةُ فضلِه عليها، والنفرةُ إليه عنها؛ ولهذا وجدنا الله سبحانه راوح في الدعوة إلى الإسلام بين الأمرين، وسلك المسلكين؛ فقال في بيان محاسنه: “ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ “آل عمران/19 و” ذَ?لِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ “ الروم/30 و” إِنَّ هَ?ذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ “ الإسراء/9، وقال في بيان مقابح أضداده من الوثنية وغيرها: “ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ “ يونس/18 و” أَنَّى? يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ “ الأنعام/101و” وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا “الزخرف/15و “ مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ? كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ “المائدة/75.
وإذا كان هذا كذلك، فينبغي أن لا يكون انتقاد العقائد – ومنها العقيدة الإسلامية - مُسْتَنْكراً ممقوتا، ولا مُستَقبَحاً مذموما، كلما خرج مخرج البحث العلمي، وَتَغَيّا معرفةَ الحق؛ وبخاصة أنَّ من ورائه بعدَ إِحكام الدعوة: الرحمةَ بالعباد، واستنقاذَهم من الضلالة بالرشاد. وأما ما يَروُجُ اليوم من أن في ذلك معارضةً لحقِّ الاعتقاد، وإثارةً للكراهية بين اتباع الملل الشتى، وإهانةً للشعور الديني عندهم؛ فجوابه من وجوه:
الوجه الأول: أن الاعتقاد إن كان حقا ثابتا لكل عاقل، فإن الانتقاد – بشرطه وعلى وجهه – هو أيضا حق لكل عالم مُتَـثَـــبِّت يصدع بما أداه إليه علمه، وباحثٍ مُسْتَفْصِل مُتَفَحِّصٍ يُعلنَ بما أنْتَجَ بحثُه، ولقد تقرَّرت اليوم في الجامعات المرموقة والمجتمعات الحرة مصطلحاتٌ علمية راجعة إلى هذا الحق، أشهرها وأوضحها مصطلحا ( حرية البحث العلمي )، و( حرية النشر العلمي للنتائج ). ويزيد بعضهم في المصطلحين عبارة ( بلا قيود ).
والوجه الثاني: أنْ لا تعارض البتةَ بين حق الاعتقاد، وحقِّ انتقادِ ما يُعتَقَد؛ لعدم التمانع بين الحقَّين رأسا؛ بما أنه ليس مما يَـحُول دون اعتقاد دين أو مذهب أن يُعْرَضَ على مناهج العقول ومعيار العلم وميزانه؛ لتُعْرَفَ رُتبتُه من الحق والباطل، ومكانُه من الصحة والفساد.نعم قدْ يَقَعُ بذلك أن يَنْزَجرَ عنه مَنْ ظَهَر له فسادُه، ويَـمْرُقَ منه مَنْ انكشفَ له زَيْفُه، ولكنَّ ذلك في ذاته لا يحول دون نفْسِ اعتقادِه لمن أراد اعتقادَه، ولا يَحْجز عن التديُّن به لمن أرادَه. ثم هو بعد ذلك خيرٌ – والله - وَبِـر؛ لما ثبتَ من التنفير عن الباطل فيه، والتَّجْفيلِ عن التَّـرَدّي في مهالكِه ومَهاويه.
والوجه الثالث: أن بفرض وجود التعارض بين الحقين؛ اعتبارا بأنَّ في انتقاد العقائد الدينية إهانةً للشعور الديني بوجه ما، وإثارةً لكراهية معتقديها على وجه الخصوص؛ فيبقى أن القاعدة العلمية في تعارض الحقوق؛ أن يُرتكب أخفُّ الضررين، وتُراعى أعظمُ المفسدتين؛ بحيث يُقدَّم الحقُّ الذي تكون المفسدةُ منه أخفَّ، على الحق الذي تكون المفسدةُ منه أعظمَ وأفْحَش؛ ولا شك أن مفسدةَ إهانةِ الشعورِ الديني وإثارةِ الكراهية الـمُتَوَقَّعَ حصولُها بانتقاد المعتقد، أخفُّ من مفسدة الضَّلال الدنيوي، والخسران الأخروي الحاصلةِ – قطعاً - من التقرير على العقائد الباطلة، والسكوت على النِّحَل الفاسدة؛ رعايةً للحق في اعتقادها، واحتراماً لحرية اعتناقها والتَّدَيُّنِ بها.
على أن احترام الإنسان باستنقاذه من التخليد في النار، أولى من احترام معتقده الذي هو علة تخليده فيها، وإنَّ مَنْ يدعي حب الإنسان، ثم هو يقره على سبب هلاكه، وعلة خسرانه، أو – في الأقل – يَسكتُ عن تنبيهه إليه، وتحذيره منه؛ فهو أكذَبُ الـمُدَّعين، وأبغَضُ الـمُحبين!!. كما أن من الأنانيَة الـمَقيتة، والشحِّ العجيب أن تستوليَ عليك أَثِرَةٌ بالخير تَـحْجُبُهبها عمَّنْ لو أصابَه لم يَنْقُصْ مما عندك منه شيئا.
وأيضا:فإن مفسدة إهانةِ الشعور الديني وإثارةِ الكراهية لا تحصل من انتقادِ المعتقد إلا أنْ لو خَرَجَمَـخْرَجَالسُّبَّةِوالذم والتحقير، أو استندَ إلى تَـمَحُّلاتٍواهية،وتَكَلُّفاتٍساقطةٍ في معيار العلم وميزانه؛ فأما إن كانَعلى شرطِهِ من مجانبة ذلك، وعلى الوجه العلمي الصحيح المنضبط بأدب الحوار والمناظرة، فلا يتوقَّعُ- في الأعم الأغلب - أن يكون مُهينا لشعور الديني ولا مثيرا لكراهية؛ وبخاصة إذا مُهِّدَله قبلَ ذلك بالملاطفة والرفق في المعاملة، وبكل ما يَرْفَعُ الوحشةَ بين المتحاورَيْنِ من التزاوج،أوالمصاهرة،أو التزاور،أوالمهاداة،وسائر صور التسامح الديني التي سبق بيانها في المقالة الأولى؟!
وبالجملة فإن الأصل في انتقاد العقائد إذا جرى على منهج العلم ومعياره - أنهسببٌ في زهوق الباطل بالحق الدامغ، ومَـجْلى ما تَعَمّى منه بالشبهات؛ ليَنْزِعَ عنه من ألفه بالعادة حتى تمادى عليه بلا استيثاق، ويَنْخَلِعَ منه من لُبِّسَ عليه في اعتناقه. وهو - بعدَ ذلك وقبلَه - دالَّةٌعلى الرحمة بالمغرورباستنقاذه، وآيَةُالإشفاق عليه بتخليصه.
على أن من علماء غير الإسلام من الأديان المتبوعة من انتقد عقيدة أهل دينه بلسانه، واستعصم في ذلك بحق البحث العلمي وحرية نشر نتائجه، ومنهم اليوم الدكتور بارت إيرمان الذي يُعَدُّ من أشهر علماء نقد العهد الجديد، وله في ذلك أكثرُ من ثلاثين كتاباً من الكتب الأكثرِ مبيعاً في الغرب،ومئاتُ المحاضرات والمناظرات التي لم يُهزم في إحداها قط، وهو حاليا عميد كلية الدراسات الدينية في إحدى جامعات أمريكا، وقد سُئل مرة عما يُــثيرُه خطابُه من كَراهيةٍ وحَساسيةٍ دينية لأهل ملته؛ فأجاب بما مفادُه أن الحساسية الدينيةَ لا بد أن تُـحَيَّدَ أَمامَ هيبة البحث العلمي!!.
كما أن كتب علماء النصارى – مثلا - طافحةٌ بانتقاد العقائد الوثنية، وبيانِ فَسادها، وبانتقادِ العقيدة الإسلامية – على وجه الخصوص - انتقاداً خرج في أغلب أحواله إلى حدِّ التجنّي والتَّمَحُّل، ومجافاةِ المنهج العلمي الصحيح، فأينَ المنعُ من ذلك بما اسْتَلزَمَه من إهانةِ الشعور الديني، وإثارة الكراهية ؟! ولماذا لم تكن إهانة الشعور الديني سبباً اليوم في المنع القانوني من نحو الرسومِ المسيئة لنبينا صلى الله عليه وسلم التي سَوَّغَتْها قوانينُ الغرب وأقرَّتها بدعوى حرية الرأي والتعبير؟! على الرغم من أنها مُـجافِيةٌ للعلم ومناهجه، وأشبَهُ بالسُّبَّةِوالتحقير، وأنها– لذلك - أثارت كراهيةَ الملايين من المسلمين في العالم، وأهانتْ شعورَهم الديني كل الإهانة ؟! 

* جامعة الامارات / كلية القانون / قسم الشريعة والدراسات الإسلامية   

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش