الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

صدى الثورة العربية الكبرى في الأغنية الشعبية الأردنية

تم نشره في الجمعة 22 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً

 د. عماد الضمور
تعدّ الأغنية الشعبية تراثاً أصيلاً لأي أمة، ذلك أنهّا تحتفظ بجانب عاطفي خصب، وموروث وجداني لا ينضب، تتشكّل من خلالها المشاعر في قالب إبداعي، يتداوله المتلقون بكلّ شغف، بعدما أضحى جزءاً من هويتهم الوطنية.
إنّ الحافز القومي من أهم الأسباب التي أدت إلى الاهتمام بالأغنية الشعبيّة، لما تعتري القومية من عوامل ثوريّة تسهم في توحيد الوجدان الشعبي، وتجعله ينتظم على نسق تعبيري أكثر التصاقاً بالوجدان الشعبي، وتعبيراً عن ضمير الأمة الحيّ.
تضم الأغنية الشعبية في تعابيرها مشاعر الناس وأحاسيسهم فهي جزء مهم من الفلكلور الذي يضرب بجذوره إلى تراث خصب، وتاريخ متجذّر في القدم.لذلك نجد الأغاني الشعبية تنقسم إلى اجتماعية ووطنية وقومية ودينية تكون باللهجة المحكية التي تجعلها أكثر قرباً من القلوب وانتشاراً بين المجتمع على اختلاف فئاته، وتعدد اتجاهاته الفكرية، يرددها الرجال كما تغنيها النساء كلما دعت الحاجة لذلك.
نقرأ في الأغاني الشعبية القومية شعراً قصصيّاً ملحميّاً، يتسم بالحماسة والانتصار للحق، وقيم العدالة والمساواة، تختزن طاقة وجدانية لاهبة، ورغبة في الطموح، والتطلع للأفضل، فهي تعبير عن الأمنيات، يمتلكها الوجدان الجمعي للأمة، وتنطق بلسان الشعب، وتسجل أماله.
نقرأ في ذاكرتنا الوطنية أغنية معروفة تقال في مجال الفخر والحماسة:» هبّت النار والبارود غنّى» إذ طالما ما رددت حناجر الوطن هذه الأغنية مدوية في وجه الطامعين، لذلك فإنها» أهزوجة حربية يشترك في تردادها الرجال والنساء والقتال قائم بين المتحاربين، وهي تصوّر نظرة المرأة لبطولة الرجل، فهي تريده أبداً رجلاً محارباً صلباً، وفارساً هماماً يكر ويفر، لا رجلاً شارداً من ميدان المعركة»(1).
وبقيت الأهزوجة الوطنية حاضرة في سياق قومي، تمتلك من الوحدة الموضوعية والعاطفة الصادقة ما يُمدها بأسباب الانتشار والانتشاء ببطولات خالدة، كما في الأغنية الشعبية المعروفة:
«طوعنّاها من عمان للجوفْ/ ومن الكرك لحدود الطفيلة. بشباب لا يهابون الموت/ ونشامى يشفون الغليلِ».
إنّ الجانب البطولي حاضر في الأغنية الشعبية الأردنية، وهو جانب يستقي موضوعاته من طبيعة الأحداث السياسية التي تمر بها البلاد، ومن البطولات والتضحيات التي سجلها الأردنيون في معارك الفداء، وهي تضحيات لا تنتهي، ممّا جعل الوجدان الشعبي دائم اللهج بهذه البطولات.
فالشعب دائم البحث عن نموذج البطل المحرر المدافع عن الحقوق، يحتمل المصاعب ويقدم الدماء رخيصة في سبيل التحرر؛ ما جعلها خالدة تنتقل عن طريق الرواية الشفوية والتلحين والغناء.
إنّ الباحث في الأدب الشعبي وبخاصة الأغاني الشعبية منها يواجه صعوبات كبيرة أبرزها أن الإنتاج الغزير لهذا الفن لم يحظ بعناية الباحثين رغم موضوعاته المتنوعة ومضمونه الجدير بالاهتمام والدراسة.
إذا ما استثنينا دراسات روكس العزيزي و هاني العمد وعبدالله الشناق ومحمد الغوانمة وتوفيق أبو الرب بالأغنية الشعبية الأردنية فإن بقية المساهمات تبدو متواضعة، وبحاجة إلى تعميق.
لقد اعتاد الباحثون دراسة الشعر الفصيح والزهد في دراسة الشعر الشعبي. ومع ذلك فإنّ الشعر الشعبي الأردني ومنها الأغنية الشعبية جزء مهم من التراث الوطني لا يقل أهمية عن غيره من أنواع الأدب بل إن دراسته متممة لبقية الدراسات الأدبية.
لعب الشعر الشعبي الأردني الذي أُخذت منه الأغنية الشعبية دوراً بارزاً في كافة مجالات الحياة، فعبّر عن الأهداف والوقائع وهموم الناس، وآلامها ومعاناتها، وصور الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية مثلما ربط واقع الأمة بماضيها العريق.
على أن أهم ما يواجه الباحث في مجال الفلكلور الشعبي بشكل عام والأغنية الشعبية بشكل خاص هو فهم المفردات المستخدمة فيه التي تختلف من منطقة إلى أخرى.
إنّ البطولات الأردنية التي سجلتها الأغنية الشعبية كثيرة وعظيمة، ولعلّ صورة الثورة العربية الكبرى فيها ناصعة مشرقة، كما سجلها الشعر والنثر على حدّ سواء، فبرزت البطولة ، ومفردات التضحية والفداء، والانتصارات التي حققها جيش الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف الهاشمي المغفور له الحسين بن علي ـ طيب الله ثراه ـ بانطلاقة هذه الثورة في العاشر من حزيران عام 1916م، التاسع من شعبان عام 1334 هـ ضد الدولة العثمانية التي مثلت في آخر عهدها خطراً على الهوية العربية واستمرار وجودها.
إذ اضطلعت الأغنية الشعبية ببعد قومي وعاطفي على غاية من الأهمية نلمس من خلالها صورة ناصعة للشريف الحسين بن علي ـ طيب الله ثراه، ودوره البارز في قيادة الأمة، ومواجهة التحديات، ممّا أفرز أدباً قوميّاً وطنيّاً يواجه التحديات، ويرصد الأحداث كما سجلتها الذاكرة ، واختزلتها الأفئدة بكلّ صدق، وإيمان بأهمية المحافظة على إرث الثورة العربية الكبرى ورسالتها الخالدة.
لقد كانت الثورة العربية الكبرى عميقة التأثير في الأغنية الشعبية الأردنية، فكانت الرقصات الشعبية والأغاني المنبثقة من أثرها البارز في الوجدان الجمعي، وروحها العميقة في الجسد الأردني، فنعثر على ألوان من الرقص الشعبي تشكل الرفيحي والعرضة أهم ما تميّزت به محافظة العقبة، إذ يرجع أصلهما إلى الحجاز» ويُقال أنها أتت مع الأشراف عند قدومهم إلى العقبة عام 1917م وقيل أن أهالي العقبة استقبلوا بها الأشراف في العقبة إلا أن الاختلاف في هاتين الروايتين لا ينفي أن تكون العرضة حجازية الأصل بغض النظر إن كان الأهالي نقلوها مبكراً أو متأخراً ودليلنا على ذلك بالإضافة إلى روايات أهالي العقبة أن الفلكلور الحجازي يحوي مثل هذه الرقصات وكذلك هنالك عائلات عقباوية من أصل حجازي، ومن الفلكلور المشابه للعرضة العقباوية: العرضة النجدية، وعرضة زهران، ورفحة، والمجرور الطايفي، وخطوة عسير، والعزعي الحدري، والسامري ورمحة، وحرب الصهبا ويماني الكشف، والرميحة»(2).
والرفيحي ذات الأصل الحجازي رقصة شعبية معظم أبياتها في مدح الأسرة الهاشمية، وهي رقصة وطنية مشهورة عند أهل العقبة، يحمل فيها القائد السيف موعزاً ببدء الرقصة، ومن قصائد الرفيحي(3):
«شد الحرايب يا حسين/ لا يرتخي مسمارها/ وأبوك قبلك ما يخاف/ يفرح بشبت نارها/ وحسين حايم بالسما/ يدوّر نصر المسلمين/ يا حسين حنا عزوتك/ على الموت الأحمر دزنا/ نعاهدك والرب يعلم/ حنا على ما تبتغي/ يا حسين وابشر بالفرج/ جيناك لو أنك بعيد/ جيناك يا عويّد بزفة/ بين البنادق والرماح/ الصقر ما يلطم بكفه/ ما يلطم إلا بجناح/ سلامي مني والسلام/ على الربوع الوفية».
وفي الحقيقة تعكس كلمات هذه الرقصة الشعبيّة انتماءً عميقاً لفكر القائد البطل، وترسيخاً لأهمية الوطن وضرورة المحافظة عليه، فضلاً عن بعث الحمية في النفوس، ورفض التخاذل والاستكانة.
ويُشير د. محمود الجبور إلى أهزوجة الأردنيين التي ما زالت تُغنى إلى اليوم، وقد كانت بعدما وفدت القبائل البدوية العربية على قصر بسمان مبايعة الشريف الحسين بن علي ملكاً على العرب، وقد نسج على منوالها الفنان توفيق النمري(4):
«هيه يا نسل الأشراف الله نصيرك/ يحفظك لينا ما حد يقدر يضيرك. هيه يا سبط الرسول الله يديمك/ يبتلي من قاومك وأضحى غريمك. يا هلا بالتاج وأصحاب الجلاله/ نور المصطفى من حوله تقول هاله. يا هلا بوريث الثورة العربية/ يا حامي الديار وماحي كل أسيه. هيه يا فخر العرب حنا جنودك/ من زمان جدودنا طاعت جدودك. يا مليك العرب بك نلقى الشهامه/ يا فخر يا حامي الحرَم ويَّا القيامه. يا قصر بسمان ما نلقى بديلك/ يكفاك الشرف وابن هاشم نزيلك. يا أردن افرح ولا تخفى سرورك/ على ضفافك يا محلى نغمة طيورك. يا أردن اسمك يبعث فينا الحميه/ يا وطن غالي على نفوس حميه».
وقد غنتها الفنانة سميرة العسلي بتحوير واضح:
 هيه يا نسل الأشراف الله يديمك  يا نبع الصفا والدوحة الهاشمية
كذلك فإن الأغنية الشعبية في الأردن عكست تعلق الأردنيين بقادة الثورة العربية الكبرى وبخاصة مفجّر هذه الثورة الشريف الحسين بن علي ـ طيب الله ثراه ـ كما في الأغنية التي تقول(5):
«وا حسين بن علي راعي الحميه/ أطلق رصاصة أولى مبدئيه. حرر بلاد العرب من تركيه/ هلي خلون العرب جاهليه. أسس إماره بالضفه الشرقيه/ وأطلق عليها  إماره أردنيه».
لقد جاءت الأغنية الشعبية الأردنية التي قيلت في الثورة العربية الكبرى صرخة مدوية في وجه الطامعين، وتعبيراً حيّاً عن الروح الوطنية الصادقة، ووهجها القومي المضيء، وانعكاساً لشعور وجداني حماسي، يدفع بالأغنية الشعبية إلى إيقاع صاخب، وأنغام عذبة.
نقرأ  من أغنية بعنوان « ثورتنا العربية الهاشمية»  كلمات فايق إسماعيل(6):
«ثورتنا العربية الهاشميه/ ثورة وحده وحريه/ نهضه وعمران/ أعلنها حسين المغوار أبو الثوار/ يحطم بيها الاستعمار/ ويمحي الطغيان/ أعلنها ليحررنا ويوحدنا/ ويبني عزة أمتنا/ ويعلي البنيان».
إذ حمل أدب الطفل في الأردن هذا المضمون الوطني المهم، ليصبح نشيداً جماعيّاً يؤديه الطلبة بكلّ عنفوان، ولتتشكل ذاكرة الأطفال منذ نشأتها على فكر الثورة العربية الكبرى الملهِم وأهدافها التحررية وإنموذج قائدها الثائر البطل.

 الهوامش:
1 ـ هاني العمد: أغانينا الشعبية في الضفة الشرقية من الأردن، ط1، منشورات دائرة الثقافة والفنون، عمّان، 1969م، ص ص 244 ـ 245.
2 ـ عبدالله المنزلاوي: التراث الشعبي في العقبة، ط1، جمعية عمال المطابع التعاونية، عمّان، 1993م، ص141.
3 ـ المرجع نفسه، ص143.
4 ـ محمود الجبور: البعد الوطني في الأغنية الشعبية الأردنية( دراسة توثيقية 1921 ـ 2000م)، ط1، أبحاث مركز الملكة رانيا للدراسات الأردنية وخدمة المجتمع، جامعة اليرموك، 2008م، ص 24.
5 ـ المرجع نفسه، ص 24.
6 ـ المرجع نفسه، ص 90.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش