الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

إطلالة على ديوان «حديث القصيدة» لسليم أحمد حسن

تم نشره في الجمعة 22 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً

 د. إبراهيم خليل
يذكرني الشاعر سليم حسن الشاعر البرقيني في قصائد ديوانه اللطيف»حديث القصيدة « بمذهب إبراهيم طوقان في شعره. فشاعرنا يقتفي أثر الشاعر الفلسطيني في الاقتراب بشعره من الذوق العام ومن لغة الحديث اليومي. فهو يتبسط في نظمه، حتى ليكاد يظن القارئ ألا فرق بين الشعر المنظوم والدر المسترسل المنثور، وأن المتلقي – أيا كان مستواه العلمي والثقافي- يستطيع التواصل مع أشعاره، واكتناه ما فيها من مشاعر ملتهبة، وأفكار مطردة. فشعره يتذوقه القارئ العادي مثلما يتذوق رسالة يتلقاها من أحد الأصدقاء، أو الأقارب. فلا هو مضطر لاعتصار ذهنه، ولا لقدح زناد فكره، ففي قصيدة « للأطفال رأي آخر « يذكر على لسان حفيد المتكلم الذي هو الشاعر ربما - ضجره من الكثير الذي يشاهده، ويسمع به، سواء من التلفزيون، أو من غيره من وسائل الإعلام المسموع والمرئي. فأخبار الحروب والقلاقل تتكرّر وأعداد القتلى تترى، وأعداد الجرحى تتزايد وتكبر، ويسبب له هذا مزيدًا من الانفعالات، والتشنج النفسي والعصبي، فيصيب التعب بصره، والإعياء قلبه ، فلا يقوى على النبض: ارحم أعصابك يا جدّ.. فليست من صلبٍ وحديد ماذا تسمع؟ عشرات القتلى آلاف الجرحى من أطفال ونساء ورجال. ولأنّ الشاعر برع في كتابة المسرحيات للأطفال، وكذلك الحكايات والقصائد ، فإن حديث القصيدة لا يخلو من تلك البراعة، ولا من تأثير ذلك الهاجس، فقد تستحيل لديه القصيدة أحيانًا من بناء منظوم إلى حوار بين الحفيد وجده. وهو حوارٌ لا يخلو من حكاية تروى، ومن قصة تسرد في أداء شيق، فتشرئب نحوها أعناق الصغار، ويتلهى بروايتها الكبار: كان وليد يضحك وهو يقول.. لست غبيًا يا جدُّ إلى هذا الحد ذئبٌ يبلع جدّة ليلى..ويجيء الصياد فيقتله، يفتح بطن الذئب، ويخرج تلك الجدّة سالمةً حيّة.. هذا من غير المعقول..فالقصة تبدو مضحكة هزلية. ولا شك في أن هذه الطريقة من الحوار، بين الجد وحفيده، تجد لها الكثير من المعجبين في جمهرة القراء المهتمين بالشعر والأدب. بيد أن هذا الأسلوب ذا الطابع النثري البسيط لا يهيمن على قصائده، ففي واحدة من دُرَرهِ بعنوان «غدًا ترحل» تعبير رقيق عن الأشواق التي يجيش بها صدر المحبّ، ويخفق لها قلب الشاعر المرهف، ببناء لا يخلو من الأسئلة المطردة، التي تعبر عن وجده، وتوقه للقاء الحبيب:
غدًا يا حبيَ الأول.. غدا ترحل!
ولا يبقى سوى ذكراكْ،
ودمعٌ حائرٌ يسألْ.. متى ألقاك ؟ متى يا مهجتي ألقاك؟
في الجانب الآخر يستطيع أستاذنا سليم حسن أن يفخر بشعره القصصي، الذي ينسج فيه على منوال كبار الشعراء من أمثال شوقي وحافظ وجبران ، فيروي في قصيدة واحدة حكاية حبيبين أقسم كلّ منهما على الإخلاص للآخر، فعاشا سعيدين تحت ظلال شجرة الحبّ الوارف الظلال، وفي أكناف عشهما الدافئ، فهما يشبهان طيرين رائعين يحطان تارة على الأغصان، وطوْرًا في عشهما الهنيّ، يملآن الكون بأغاريدهما ، ويصوغان للربيع حلة بهية الألوان، مزركشة بورود العشق والهوى، ولكن، وعلى نحو مفاجئ:
قسا على العش إعصارٌ فحطّمهُ
 ونال كلُّ عذولٍ ما تمناهُ
وشتت الدهرُ أحبابًا وفرقهمْ
 ويلاهُ مما جناهُ الدهُْر وَيْلاهُ
فكلّ عيش هنيّ لا بد أن ينتهي بمأساة سببها أولئك الذين لا يفتأون يكيدون لكل حبيبين. وفي شعر الصديق سليم لا نفتأ نجد للأحداث صداها، وللوقائع حميّاها. فمن منا لا يذكر الرسوم المسيئة للرسول محمد عليه الصلاة والسلام،ومن منا نسي ما رافقها من الاحتجاجات، تلك المسيرات والاحتجاجات أوحت لشاعرنا الجميل بقصيدة كأنها خطابٌ سياسي مفعمٌ بالغضب الدمَويّ:
مهما كتبوا مهما رسموا.. مهما فعلوا كان ضلالا
هم وجميع العالم علموا.. أن رسول الله تعالى
برسالته ملأ الدنيا.. خيرا وسلامًا وجمالا
ومثلما يصبّ الشاعر جام غضبه على ناشري الرسوم المسيئة للنبي، يصبه أيضا على أولئك المتخاذلين، المتصارعين على الحكم ، وعلى الكراسي، قبل أن ينتهوا من تحرير الوطن الذي يختلفون على حكمه. فهم متواكلون أصلا، ولا يصلحون إلا لشيء واحد هو النضال من وراء مكبرات الصوت، ومن على الكراسي، فهم يقتتلون تاركين العدو يهنأ بانتصاراته على أطفال الحجارة:
من أجل الكرسيّ الخشبيّ الوهميّ
من أجل السلطة، أوْ حلم السلطة
وغرور السلطان...
إن عدوّا شرسًا جبارا
يسعده أن يقتتل الأخَوان،
كي ينفرد بما شاء
 ويسجن من شاء
ويقتل من شاء
فلا يبقى شيءٌ بأمان
وتمور قصائد الشاعر سليم بالشعور الوطني الصادق، وبالعواطف الثورية المتأجِّجة التي تحيل شعره إلى شواظ من نار، يرمي بها تارة المحتلين، وطورًا المتخاذلين. والأمثلة على هذا كثيرة جدا، ولا يبالغ من يزعم أنها تشمل جل القصائد، ولكننا نشير من باب التمثيل لقصيدة بعنوان « درب الفداء « ففيها ما يؤكد عزمه وحزمه في التصدي لمسألة الوطن، إذ لا مجال للتسويف ولا للاستكانة،والانتظار، ولا بد من نبذ الخيام بما تمثله من تشرد، وإذلال، وَهَوان، ونبذها بالطبع لا يكون إلا بالفداء الذي يخوضه الوطنيون من أبناء فلسطين بدمهم، وسلاحهم، وصبرهم، وإرادتهم التي لا تلين، فهم جديرون أن يرفعوا رايات النصر مجدّدين للشعب العربي أمجاده القديمة، ومفاخرة التليدة:
لا بدّ من درب الفداء
نخوضه حقًا وثورة
بسلاحنا ، بدمائنا،
سنعيد للعربيّ فخْرَه
ما أروع الحصنَ المنيعَ
يصونه حُرٌّ وحُرّة..
صفوة القول، وزبدة الحديث، أن في شعر أستاذنا سليم حسن خفة في الروح، ودعابة في النظم، وبساطة تذكرنا بالفحول من شعراء فلسطين، أمثال: فدوى، وإبراهيم طوقان ، وهرون هاشم رشيد، بيد أن في قصائده هذه زيادة على ما في أشعارهم.. ثَورة وعنفًا مضمونهما الوطن «فلسطين» بما يتعرض له من احتلال، واستلاب، وتهويدٍ، ونكران يتجلى في خذلان المتخاذلين، وتقاعس القياديين التقليديّين، سواء أكانوا من المزايدين أو من المتطلعين للحكم، المنتفعين من الانقسامات. وفي وجدانياته مثلما لاحظنا رسيسٌ من غزليات العباس بن الأحنف، ونظرائه من شعراء العربية في العصر العباسي، وقد رجح على هؤلاء بما جادت به قريحته الوقادة من نظم قصصي شائق. وهو شعر جميل يميل إلى البساطة التي لا تهبط به لمستوى الابتذال، ولا يشطحُ به إلى مرتبة البهلوانيات اللفظيّة المبهمة التي أحالتْ القريض عند بعضهم إلى ألغاز وأحجياتٍ، ما أنزل الله بها منْ سُلطان. فهنيئا لأستاذنا سليم حديثُ القصيدة هذا.
* «هذه المقالة عبارة عن مقدمة كان كتبها د. إبراهيم خليل للديوان، وليست قراءة نقدية فيه» (المحرر الثقافي)

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش