الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة نقدية لرواية «الطريق إلى بلحــارث» لجمــال ناجـي

تم نشره في الجمعة 15 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً

د. إبراهيم خليل

في العام 1982 صدرت الرواية الأولى للكاتب المرحوم جمال ناجي، وهي الموسومة بعنوان الطريق إلى بلحارث، عن رابطة الكتاب الأردنيين، مذيلة بكلمة أنيقة من الروائي الراحل سالم النحاس. وقد تناول هذه الرواية كثيرون، وتباينوا بين مقرِّظٍ، ومنتقد، ومنهم من وجد فيها باكورة المؤلف التي تنبئ، بلا ريب، عن ميلاد كاتب مبدع سيكون له شأنٌ ما في مستقبل الرواية. وفي ذلك الوقت (1983) كتبتُ دراسة قصيرة عن الرواية، بعنوان « البطل الإشكالي في الطريق إلى بلحارث « نُشرت في مجلة « المنتدى « التي دأبت على الصدور شهريا بدبي(1) بعناية القاص المصري إبراهيم سَعْفان، وقد أعدْتُ نشر المقال بعد زمن غير قصير مع مقالات أخرى في فصل من كتابي « الرواية في الأردن في ربع قرن 1968- 1993 « الصادر عن دار الكرمل للنشر والتوزيع (2) عام 1994.
وأيا ما يكنِ الأمر، فإن العودة لقراءة هذه الرواية الآن، بعد رحيل المؤلف، أمرٌ يقتضيه التذكير بفضائل الكاتب الراحل، الذي فقدناه وهو في أوج عطائه، وذروة إبداعه، وبهائه، إن كان في القصة القصيرة، أم في الرواية.
 شخوص
وفي الطريق إلى بلحارث عدَدٌ من الشخصيّات، التي أقام المؤلف عليها مشروعه السردي هذا، كعماد، وهو من خريجي معاهد المعلمين، شاعرٌ في نحو الرابعة والعشرين من عمره، يتوق للسفر للعمل في إحدى دول الخليج، ونادية فتاة شابة في مثل عمره، وكلاهما من أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين بعمان. وكلٌ منهما يحبُّ الآخر، وينتظران الظروف المناسبة للخطوبة، والاقتران، ثم الدخول في القفَص الذهبي. فالعلاقة بينهما تكاد تكون علنية، لأن نادية تزور والدة عماد في البيت. ومن هذه الشخصيات الأستاذ علي – مدرس الرياضيات- وزوجته، التي تنتظر مولودًا، وهي في شهرها التاسع. (ص25) وقد فعلت ذلك بعد مخاضٍ صعْب داهمها في الطريق، وأهدت بَعْلها طفلا سماه فجرًا، لأن الولادة كانت عند الفجر(ص37) ولكن الطفل – للأسف- لم يعش إلا يومًا واحدًا فارق بعده الحياة. (ص41).
ومن هذه الشخصيات منصور – شقيقُ نادية- الذي التقاهُ عماد مصادفةً في مقهى جوزين بجدة. (ص15) وشاءت الأقدار – وما أكثر ما تشاء!- أن يغادر الاثنان جدة نحو القنفذة على متن سيارة واحدة برفقة عدد من المتعاقدين القاصدين هدفا واحدًا. ومن هذه الشخصيات أيضا أبو عايظ، وهو سعودي يعمل مراسلا في المدرسة التي يعمل فيها كل من منصور، وعلي، وعماد. ومعيظ، وهو أيضا مدير المدرسة الذي لا يأنس لعلاقة (أبو عايظ) الحميمة بمنصور، ويحاول إقناع الأستاذ علي بالعدول عن الاستقالة، وتجديد عقده، لكنَّ محاولاته هذه تنتهي بإخفاق ذريع. أما ظفرة، فهي الشخصية النسائية الوحيدة التي تؤدي دورًا ثانويًا جدًا في الرواية، ونستطيع أن نقول: إنه ليس دورًا، إذْلمْ يترتب عليه أيُّ تغيير في مسارات الرواية. فجلُّ ما يعرفه الراوي، ويذكره عنها: أنها تدير مقهىً، وأنها سوداء البشرة، وذات بنية جسدية لا تخلو من إثارة، أوْ هذا ما يظنُّه- على الأقلّ-  كلٌ من (أبو عايظ) ومنصور (ص31- 32) فكلٌ منهما يطمع في قضاء ليلة حمراء معها، وليكنْ ما يكون. على أنَّ الحديث عنها، والإشارة إليها، يجريان من خلال الأحاديث، والحوارات المتبادلة، بين منصور وعماد، أو بين منصور و(أبو عايظ) أو بين عماد و(أبو عايظ). ويقتصر حضورها الشخصي، في مجريات الرواية، على حفل زواج (أبو حربان) ابن شيخ القرية، فقد اسْتُقْبلتْ بالاحتفال بصفتها الراقصة الوحيدة، وكان الترتيب أن يستضيفها منصور في البيت المشترك الذي يقيم فيه مع عماد، لكنَّ ما حدث، وفاجأ الجميع، أن منصوراً أصيب بعارضٍ صحّيّ، ولم يكن هذا العارض الصحّي بسيطا، وإنما قاتلاً  كان.
يقولُ عماد في مونولوج داخلي تنتهي به الحكاية:
«اخترقتْك الحمّى كالرمح، يخترق جسد المحارب، ربما كنت محاربًا، وربما لم تكن كذلك، ماذا سأقول لنادية عندما أعود إليها بجثتك؟ هل أستطيع مواجهتها، وهي التي كتبت لي كثيرًا عنك.. وحدثتني» (ص110)
 خيبة وإحْباط
وربَّ سائل يسأل: ما الموضوع الذي تقوم عليه حكاية الرجال الذين تتبَّع الراوي ظروفهم في مشروع المؤلف السردي؟ قد يجيب الدارس عن هذا السؤال بالقول: إن الموضوع  الأساسي هو ما جرى لمنصور، والخيبة التي حصدها عماد من رحلته المضنية هذه إلى قرية بلحارث. فمنصور كان، وما يزال، وفقا لمسارات الرواية، متحمّسا للعمل في تلك البلدة، وفي تلك المدرسة على سبيل التعْيين، ومطمئنًا لعلاقته الحميمة بأبي عايظ، على الرغم أن تلك العلاقة لا تقوم على التوازن بين النظيرين. ولهذا يُنظر إليها على أنها صداقة لا تخلو من ريبة. وهذا ما تكشَّف عندما اتضحت الأسرار، وذاعت الأخبار، فأبوعايظ يصنع الخمرة من مواد محلية، ويشاطره منصور مجالسَ السكر عند حافة الوادي. ليس ذلك فحسب، وإنما يشاطره أيضا تعاطي (القات) الذي يحصلان عليه من بعض اليمنيين، وهو شبيه بالمخدرات، وتأثيره في متعاطيه كتأثير الأفيون، يقول منصور لعماد « ينقلك إلى عالم آخر.. إلى دهاليز غيبية.. وذكريات لم تحدث أبدًا. إنه صانع ذكرياتٍ لمن لا ذكريات له. تأكله كالأرنب، ثم تضع ما يتبقى منه بين اللثة وجلدة الخد داخل الفم (وهذا ما يسمى التخزين) وتستمر في امتصاص العُصارة.. حينئذٍ تبدأ بالنسيان.. والانتقال إلى عالم آخر يا عماد.. ترى أشياءَ لم تعهدها.. هل تشاركنا البسطة؟؟ « (ص62)
يرفضُ عماد، بدوره، هذه الدعوة، وأخيرًا جاءت وفاة منصور، وقبل ذلك إصابتُهُ بالحمّى الشّوكيَّة، لتضع حدًا مأساويا لتلك العلاقة.
فموضوع هذه الرواية، إذاً، موضوع بسيط، فأنْ يسافر عماد، أو منصور، أو آخرون، ويلتقون في مقهى، أو في سيارة جيب، ويتنقلون بين جدة والقنفذة.. وأن يعانوا من ضبابيَّة الطريق، وقسوة الصحراء، وأن يصلوا بعد عناء، وأن يلتحقوا بأعمالهم، وأن يتلقى عماد بصفته متعاقدًا جديدًا 5000 آلاف من الريالات دفعة واحدة (ص39) وأن يحلم بالغنى، وبالسيارة (ص29) وبالزواج من نادية، إلخ.. فذلك كلُّه أمرٌ طبيعيٌ، ومتوقَّع، في مثل هذه الحال، ولا شيء فيه يخالف ما هو معروف، وسائد، في علاقات الناس، وحياتهم اليومية. إنما الشيء الذي كسَرَ به المؤلف حاجز التوقع هو الموت المفاجئ لمنصور، ذلك الذي صوَّره لنا الراوي كتلة من النشاط، والمشاعر الدونجوانية، فهو المحبُّ للحياة، المتشبث بها، الذي يميل ميلا شديدًا للهو، بعيدًا عن التزمُّت، أو التحفُّظ، فعندما تحدث مع عماد عن الحب، واعترف له الأخير بحبه فتاةً في المخيَّم، ألحَّ عليه أنْ يذكر له اسم تلك الفتاة كثيرًا:
- لا أطلب منك سوى ذكْر اسمها. لمَ تخاف؟ أنت دائم الخوف. أنت...
يقول عماد مؤكدًا أنه لا يخاف
- فاطمة. اسمها فاطمة.. هل ارتحت الآن؟
فيعلق منصور فورًا
- أنت كاذب!
ثم يصمت قليلا ليقول بعيد ذلك
- إنها نادية يا عماد. نادية.. أختي.
يقول ذلك دون أن يبدي شيئًا من السخط، أو الغضب. ولذا ينظر إليه عماد قائلا في نفسه: أيُّ خليط  عجيب من الرجولة، واللامبالاة، والقسوة، والشهوة، هذا الرجل الذي هو منصور؟ فالموقف الذي كان يخشاه اتضح ألا شيء فيه يدعو للقلق، أو الخشية. فمنصور لا يمانع في أن تقوم علاقة بين شقيقته نادية وعماد، ما دام الهدف هو الخطوبة والزواج، وذلك أنه كان قد اطَّلع على إحدى رسائل عماد بالصدفة، فعرف سره، وكتمانه لتلك العلاقة. فهو- أي منصور-  رجلٌ نستطيع وصفه بالمتحرر من عُقَد الرجل الشرقيِّ، ولكنه سرعان ما قضى في المكان البعيد الذي قدر له أن يلاقي حتْفه فيه، ليعود محمولا على طائرةٍ مروحيَّة من القنفذة إلى جدة، ثم بالطائرة إلى عمَّان. فبدلا من أن تتحقق أحْلامه – مثلما كان يتوقَّع- فُجعَ به الجميع، بمن فيهم عماد، ونادية، وذووه.
 فضاءُ النصّ
على أن الشيء اللافتَ، في هذه الرواية، هو موقفُ الراوي المشارك من واقع الحياة في تلك البلدة النائية في القنفذة. وقبل ذلك، تلك الرحلة الشاقة التي تستغرق بضع عشرة ساعة عبر الصحراء، بما فيها من قسوة الطبيعة القاحلة، الحارة، وما فيها من رمال متحركة رجراجة، وما تفرضه طبيعة الصحراء من احتمالات الضياع، وعدم التعرف على الطريق التي تؤدي إلى الغاية المنشودة، والبلدة المقصودة، فالاستدلال بالنجوم يحول دونه السحاب حينا، وحينا عواصف رملية، وترابية، وظلمة دامسة.  ولعل هذا هو ما لفت نظر الذين اهتمُّوا بالرواية، ووجدوا فيها عملا جيدا يستحقُّ أن يدرس، وأنْ يُسْتشرف فيه مستقبلُ كاتبٍ روائي مبْدع. فالبيئة، والمكان، يحتلان فيها الصدارة، فلا الشخصياتُ هي التي تحظى بأولوية الكاتب، ولا الحوادثُ القليلة التي طرأتْ على هاتيك الشخوص. ففي المشاهد الوصفية للمكان حضورٌ ساطعٌ، ومكثّفٌ، ومطَّردٌ. يقول في وصف القنفذة ما يأتي:
«بيوت طينية، سوق صغير بشوارع ترابية، دكاكين، هواءٌ دبقٌ، وحارٌّ.. دراجاتٌ نارية.. سياراتُ جيب.. مقاهٍ واسعة. مقاعد طويلة. عمّال يمانيون. أباريق شاي فوق مناضد متسخة. ذبابٌ شرس. ميناءٌ عتيق يستدير في شاطئ ضحْل لبحر يُهيْمن على الغريب بشكل أسطوري.» (ص38)
فالراوي ها هنا – وهو عماد- يتحدث عن المكان متأثرًا بما فوجئ به من انطباعات تجلُّ على الذكْر،وتدقُّ عن الوصف. أما بلحارث، فهي أكثر بؤسًا من القنفذة: طرقاتها ترابية. بيوتها حجرية عتيقة. أو عُشَش. وتلالها قرمزية صغيرة. أشجار الدوم، والراك، على حافة الوادي. بلحارث أصبحتْ وشما داكنًا يتخلَّلُ غربتي.» (ص50) فإذا تعدى القارئ الفضاء الخارجي إلى الداخل، حيث الراوي، وجد مشهدًا لمدرسة لا تصلح أن تكون شيئاً «المنطقة موبوءة بالأفاعي، والعقارب السامة. ذات مرَّة سقطت أفعى غليظة من سقف إحدى غُرَف التدريس المصنوع من الشوك والخشب، فالتفَّتْ على أحد المقاعد أمام الأستاذ منصور الذي كان يشرح درسًا في اللغة العربية، ولو لم يعاجلْها بالعصا التي كان يحملها لحصلت مصيبة.» (ص95) ويقترب بنا المؤلف من منزل الراوي، فهو «بيتٌ ذو سقف محدوْدِبٍ. وجدران ملتوية ناتئة. تتحول تدريجيًا إلى ما يشبه قبرًا مظلمًا بفعل السناج الذي يتصاعد من (البابور ) ويلتصقُ بالسقف.» (ص50) تُضاف إلى هذه المشاهد التي تعبّر عن تبرُّم الراوي – عماد-  من المكان، وشعوره بالتقزز من كلّ ما فيه، تأتي مشاهد الصحراء بما فيها من تقلُّبات، وأهون ما تأتي به تلك التقلبات هو الحمى الشوكية، التي قضتْ على منصور، وكادت أن تقضي من قبلُ على عمادٍ نفسه، لولا ذلك الباكستاني الذي يدَّعي أنه طبيب، وهو في الأصْل ممرِّض (ص92) وعلى الرغم من هذه الادِّعاءات استطاع أنْ ينقذ عمادًا بوساطة إبر الروزكين(ص92). ولعلَّ في موت اثنين في الرواية؛ فجر، ومنصور، بسبب الطبيعة القاحلة للمكان، أكبر دليل على أنَّ هاجس الرواية هو تصوير المصاعب التي يعانيها المغتربون في ذلك الصِقْع من الجزيرة.
 الراوي
أما الطرقُ المستخدمة في سرد الكاتب للمتواليات، والوقائع، فهي من الأسباب التي تدعو للوقوف عند هذه الرواية وقوفَ المسْتَحْسِن، المسْتجيد، لما يقرأ. فالكاتبُ-  ابتداءً - يتكئ على الراوي المشارك الذي ينهض بدور رئيس في الأحداث. وقد يسَّر عليه ذلك استخدامُ تقنيتين سرديتين؛ هما المونولوج الداخلي، والتذكر القائم على استعادة الماضي. وهاتان التقنيتان السرديتان تطغيان على الرواية، بصفة شاملةٍ، وعامة. ففي أعقاب الحديث القصير الذي دار بين الراوي ومنصور عن ظفرة، وما تتصف به من إثارة، يتذكر عماد - بصفته بطلا للرواية، لا راويا فحسب-  حبيبته نادية في عمان « نادية لها قامة ممشوقة كعود الخيزران، نحيلة، بيضاء البشرة، متوردة الوجنتين، فمها لؤلؤة إذا ضحكت. لا تستثير مكامن الشهوة. التي يتحدث عنها منصور « (ص33) و هذا الوصفُ يذكره عماد من باب التداعيات التي تداهم وعْيَ بطل الرواية نتيجة ما سمعه عن ظفرة. ويرتبط به حديثه  اللاحق عن اللقاءات: «كنت أنتظرها عند موقف السيارات أيام الخميس. أصطحبها إلى المطعم.. أو المتنزَّه... نتحدَّث كثيرا عن المستقبل، والزواج، والأطفال ... ونحلم ببيت جميل نزرع حوله الأزهار.. والأشجار المثمرة..»(ص33)
ومن التداعي الحرّ إلى المونولوج الداخلي، فعند حديث منصور عن قرب وصول الجيب إلى القنفذة قائلا «بعد ساعات ستكون في جيبك خمسة آلاف ، سأله عماد: مقدمة السكن؟ فضحك منصور.. وغاب عماد في حوار داخلي، يقول في نفسه « هل أنا في حلم؟ لم يبق حتى الآن في جيبي إلا عشرون ريالا، وحتى هذه بقية مبلغ استدانته أمي من البقال (أبو حليم).. بعد أن تأكد أنني سأسافر.. خمسة آلاف من الريالات. دفعة واحدة . لعلني أهذي.. كدمات تلك الأيام البائسة ما تزال آثارها على بدني.. أهكذا يكون الانتقال من الفقر إلى الغنى؟ من الانسحاق إلى البذخ؟ دون مقدمات؟ هل سيصدق أبو حليم أن الفتى – عماد- الذي يحمر وجهه خجلا كلما طلب منه أن يزن له السكر أو الأرز بالديْن، ذلك الفتى سيصبح بعد ساعات مالكا لمبلغ 5 آلاف من الريالات... عدا رواتب الأشهر القادمة التي تنوف على العشرين ألفا؟ « (ص29) ومثل هذا كثير جدا في الرواية. فعندما سأل منصورٌ عمادًا إن كان أهله قد جاءوا لوداعه في المطار، تراءت له نادية فورا.. وأغرق في حوار مع نفسه عنها، وعن ذاته، وعن منصور «ماذا لو رأيتَ صورتها – نادية- في جيبي ؟ أو إحدى رسائلها ماذا ستفعل؟ قد تصابُ بالجنون.. لكننا هنا متوحِّدان في صحراء لا ترحم... أليس كذلك يا منصور؟ المسألة أخطر بكثير مما أتخيل. قد يغضب. قد يبصق بوجهي. قد يبعث لنادية برسالة تحطِّم كلَّ شيء» (ص24)
علاوةً على هذه المزية في نسيجه السردي، ومحكية الروائي، ثمة ملاحظة ينبغي الوقوف عندها، وهي الاقتراب بالرواية من القصة القصيرة، أو لنقل- بكلمة أدق- من الرواية وحيدة الحدث، أو ما يعرف لدى الغربيين باسم النوفيلا Novelette  ولعل القارئ، إذ يمعن النظر في الفقرة الآتية، يلاحظ أن الكاتب جمال ناجي يكتُب الرواية بأسلوب قريب من القصة القصيرة: «قسماتُ وجه منصور تتقلص الآن.. يشعل سيجارة أخرى..سيقول شيئا.. ها هو يضع رجلا فوق أخرى..يتكئ بيده اليمنى على الطاولة..أفضِّلُ أنا دائما التمدُّد على السرير .. والاسترخاء..أطباء القلب ينصحون بالاسترخاء .. لست مصابًا بمرض في القلب.. يريد أنْ يقول شيئا..تقاطيعُ وجهه.. ونظراته.. توحي بذلك ..» (ص68)  فهذا الرصد لحركات الشخصية، وما يدور في عقل الراوي من أفكار عنها، بعباراتٍ قصيرةٍ، مجزأةٍ .. تخلو من الروابط، رصدٌ يذكِّر القارئ بالقصة القصيرة، وهذا لا يعني أن المؤلف جمال ناجي يقدِّم لنا في هذه الرواية قصَّة، مثلما ظن بعض النقدة، وإنما هي رواية مكثَّفة، ولا جَرَمَ أن السَرْد المكثَّف فيها منْ مزاياها التي تدعو للاسْتحسان.
هوامش:
1.    انظر العدد الأول، شوال، 1403هـ آب (أغسطس) 1983 ص62
2.    خليل، إبراهيم: الرواية في الأردن في ربع قرن 1968- 1993 ، ط1، عمان: دار الكرمل للنشر والتوزيع ، ص ص 35- 42 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش