الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المصباحي يتأمل «الذات في الفكر العربي الإسلامي»

تم نشره في الأربعاء 13 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً

عمان - الدستور
يمضي المفكر المغربي محمد المصباحي في كتابه المعنون بـ»الذات في الفكر العربي الإسلامي»، (إصدارات «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات»، 2017) بعيداً في رحلة البحث عن هذه الذات، رغم أنه أكد منذ مقدمة كتابه النتائج التي سينتهي إليها، من أن الذات التي تحدثت عنها تلك الفلسفة لا تشير حقاً إلى الهوية الفردية، ليسجّل بذلك استحالة الحديث عن «الأنا المفكرة» بالمعنى الديكارتي في التراث الفلسفي للإسلام.
ويبدو منذ البداية أن اهتمام المصباحي بسؤال الذات في الفلسفة الإسلامية القديمة مرتبط بسؤال الذات اليوم في المجال العربي، هذه الذات التي كما يصفها في دقة «تقبل التحديث من دون الحداثة، والتحرّر من دون الحرية..». طبعاً لا بد هنا أن نسجّل أن فشل الذات العربية اليوم لا علاقة له بغيابها في الفلسفة الإسلامية، أو انحسارها في مجال المطلق، لأن من شأن الاعتقاد بمثل هكذا علاقة أن يجعلنا نظلم ذلك التراث من جهة، ونخطئ الطريق لبحث الأسباب الحقيقية لفشل الذات العربية اليوم، حتى وإن كان نسياننا لذلك التراث، ليس من باب النسيان الخلاق، الذي يربطنا بالحياة، كما تحدث عنه نيتشه في الاعتبار الثاني من «اعتبارات في غير أوانها».
ولكن إذا طلبنا تلخيص نتائج كتاب محمد المصباحي ورحلته المضنية والممتعة في آن، فإنه يمكن القول عن ثقافة الإسلام الأمر نفسه الذي قاله نيتشه في «ما وراء الخير والشر» عن المسيحية: إنها أفلاطونية للشعب. ولربما كان أحرى به أن يقول بأنها أفلاطونية ضد الشعب، هذا إذ صح الحديث عن شعب في سياق الثقافات الوسيطة. وتتجلى هذه الأفلاطونية على مستويات وفي مواقف أساسية، الموقف من الجسد، من الغريب والمختلف ومن المرأة.
فمنذ ابن سينا، نقف على أنه لا يمكن إثبات وجود الذات إلا عبر نفي الجسم والعالم المادي، وهو الموقف نفسه الذي عبّر عنه أفلاطون في الجمهورية مطالباً بعدم الاهتمام بالجسد لأنه معرّض للفناء، والاهتمام فقط بما لا يفنى. وقد سجّل المصباحي منذ بداية كتابه بأن «كبار مفكرينا كانوا يطرحون سؤال الذات الإنسانية (سواء أخذت بمعنى الجسم أم العقل أم القلب) بقصد التحايل عليها لربطها بالذات المطلقة»، وقد ترتّب عن ذلك برأيه «تأجيل النظر في الذات السياسية، وبالتالي في موضوع الحرية» الفردية.
ومن أجل توضيح ذلك، يسلّط المؤلف الضوء على نظرة الحداثة للذات، هي التي اعتبرت أولاً بأن «الجسد، بلغة ديفيد لوبروتون، «بيت الذاتية»، أو هي التي فصلت -في لغته دائماً- «لحم الذات عن لحم الكوسموس»، ثم هي التي ربطت العقل بـ «الأنا أفكر»، وقطعت الطريق على «معرفة ميتافيزيقية مطلقة»، وعلى ما كان يسميه روجيه غارودي ساخراً: «إله الثقوب»، ونادت بالمرجعية الذاتية للعقل، أو ما سمي في الحداثة الفلسفية بمبدأ العقل المكتف بذاته، وفصلت في النهاية مجال الشريعة الإنسانية عن مجال الشريعة الإلهية.
سيتحدّث المصباحي في كتابه عن آليات التفكير الثلاث في الثقافة الإسلامية: البرهان والعرفان والعمران، وسيؤكد من خلال دراسته للتصوّف الإسلامي، بأنه يمثل نفياً مزدوجاً للعالم وللذات، بل وسيرى أنه رغم اختلاف الرؤى بين الفلسفة والتصوّف، فموضوعهما لم يكن الطبيعة ولكن ما بعد الطبيعة، وسنكتشف مع ابن باجة فيلسوفاً يطلب اعتزال المجتمع، فمتوحّده يعيش من أجل ذاته، وعكس الفارابي، يطلب السعادة خارج المدينة، في حين سيحتقر ابن طفيل الجسد، ويرى أن تحقيق الذات مرادف لفنائها في ذات الحق.
ولربما تكون أهم فصول الكتاب، هي تلك التي أفردها المصباحي لابن خلدون ورؤيته العمرانية، وقد نقول بدون مبالغة، بأن التفكير الواقعي في الإسلام والذي وُلد مع الفقه، سيبلغ ذروته مع ابن خلدون، الذي فهم الإنسان باعتباره كائناً تاريخياً، حتى وإن كان أشبه برجل يقدم رجلاً ويؤخر ثانية، ولهذا كان الجابري لا ريب على حق، وهو يكتب في نهاية «نحن والتراث» بأن «الخلدونية ليست ما أنجزناه ولكن ما يجب أن ننجزه»، أو لربما ما لا يجب أن ننجزه!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش