الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الشـعــر الأكـاديـمــي

تم نشره في الجمعة 1 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً
  • محمد-القواسمة.jpeg


د. محمد عبدالله القواسمة
لفت انتباهي، منذ مدة ليست قصيرة، وجود شعر لبعض الأكاديميين الذين يُدرّسون في الجامعات والكليات الجامعية، غالبًا، من خريجي كليات الآداب بالجامعات المختلفة. هؤلاء لم ينشؤوا شعراء، ولم يكن الشعر يدخل في اهتماماتهم كثيرًا، ولكن معظمهم كتبوا الشعر بعد التحاقهم بالتدريس الجامعي، وبعضهم تنبه إلى مقدرته على نظم الشعر في مرحلة متأخرة من عمره فنظم الشعر وأصدر مجموعات فيه.
لا شك أن أسبابًا كثيرة تدفع هؤلاء الأكاديميين لقول الشعر، ربما تعود إلى أنهم أدركوا بعد مدة طويلة من البحث والدراسة أن الشعر وسيلة أكثر خلودًا من هذه الأعمال التي قاموا بها. وربما تعود أيضًا إلى أنهم اضطروا إلى نظم الشعر لارتباطه بأعمالهم وبما يُدرّسونه؛ فجاء نظمهم كأنه ممارسة تطبيقية لما يقومون به، وبخاصة أثناء تدريسهم مادة الأدب والشعر. وربما تعود لإحساس بعضهم بوجود تجارب في حياتهم لا يمكن التعبير عنها إلا بالشعر. وربما هو الحنين إلى الماضي وقلق الوجود اللذان يبعثهما التقدم في العمر.
أتساءل هل يكون هذا الشعر الذي ينهض به الأكاديميون ظاهرة شعرية لها خصائصها، ولها علاقاتها واتجاهاتها الفلسفية والفكرية يمكن أن نطلق عليها ظاهرة الشعر الأكاديمي؟
إن عملية استقراء لهذا النوع من الشعر فيما كتبه الأكاديميون تدلنا على وجود هذه الظاهرة الشعرية، ظاهرة لها خصائصها الواضحة؛ فهي تلجأ إلى التراكيب القوية، والألفاظ الجزلة، والصور المتداولة، أو الغارقة في القدم، وإحكام الوزن، واعتماد القافية، ونادرًا ما تخرج عن الوزن الخليل بن أحمد الفراهيدي إلى شعر التفعيلة، ولا تلجأ إلى الشعر المنثور، بل ربما يعتبره أصحاب هذه الظاهرة تمردًا على الأشكال الشعرية المعروفة، وتلحقه بالنثر. وغالبًا ما تكون موضوعاتهم قديمة تكاد تنحصر في المدح والرثاء والغزل؛ فهم يمدح بعضهم بعضًا، أو يرثون أمهاتهم وآباءهم وأصدقاءهم، أو يتغزلون غزلًا تغلب عليه الحشمة، والوقار.
هذه الظاهرة تجد نموذجها الأعلى في شعر المتنبي، والمعري، والبحتري، وحتى في شعراء المعلقات: امرئ القيس، وعنترة، وعمرو بن كلثوم وغيرهم. وبعضها في مواعظ الشافعي وحكم أبي العتاهية. ولا شك أن لها دورًا مهمًا في التعريف بأوزان الشعر وطرائقه ودروبه وأهم شعرائه، وبيان أهمية اللغة العربية وضرورة الارتقاء بها، بوصفها الحاملة للشعر والفكر، وتنمية الحس الجمالي لدى الأدباء والشعراء الناشئين ودفعهم لتذوق الشعر القديم كخطوة مهمة لدخولهم عصر الحداثة الشعرية فلا تكون حداثة دون الانطلاق من التراث القديم والبحث فيه.
سيظل الشعر الأكاديمي موطنه الجامعات، وأصحابه من الأكاديميين الذين أفنوا كثيرًا من سنوات عمرهم في البحث والتدريس، ووجدوا في أنفسهم الرغبة للتعبير عما يختلج في صدورهم من لواعج الحنين إلى الماضي، وما ينتابهم من قلق حول الواقع والحياة؛ فلجؤوا إلى الشعر يفرغون فيه عواطفهم الملتهبة.  
هذه الظاهرة، ظاهرة الشعر الأكاديمي، تستحق مزيدًا من البحث والدراسة، ولعل هذا المقال يفيد في هذا الاتجاه.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش