الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قـلـتُ لهــا

تم نشره في الجمعة 1 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً


 د. عاطف درابسة

لا أعرفُ لمَ يؤلمُني هذا الحذاء، مع أنّني انتعلتهُ منذُ ثلاثينَ عاماً أو أكثر، أشعرُ أنّهُ قيدٌ ثقيل، بحجمِ الكرةِ الأرضيّة، كلّما حاولتُ أن أتقدّمَ خطوةً نحوَ الأمام، يأخذُني خطواتٍ إلى الخلف، وكلّما نحوتُ إلى اليسار يشدُّني بعنفٍ إلى اليمين، لا أعرف سرَّ السرِّ بينَ هذا الحذاء وثنائيّة اليمين واليسار.
هذا الحذاء يُفقدُني تركيزي ؛ مرَّةً أُحسُّهُ حيواناً أليفاً، ومرّةً أُحسّهُ وحشاً كاسراً، ذاتَ يومٍ تخفّى فاتّخذَ شكلَ البُسطار، وحينَ غادرَ قدميَّ وجدتُهُ (يرفُش) كل شيءٍ أمامهُ، بل أصبحَ متعالياً متغطرساْ طاغيةً، كلُّ الأشياء صارت تحتهُ، مرّةً رأيتُهُ يقمعُ مظاهرةً ترفعُ شعار : نعم للعُنف مع النّساء.
ومرّةً وجدتُهُ كمن أُصيبَ بإنفلونزا الذُباب، فصارَ كحذاءٍ نسائيٍ بكعبٍ مسماريٍّ عالٍ، مغروزٍ بعينِ الحقيقة، ومرّةً أمسكتُ بهِ متلبّساً يُقيمُ علاقةً جنسيّةً مع حفّاية مقاسُها 38.
وذاتَ مساءٍ خميسيٍّ دافى، التقيتُ بهِ صُدفةً في أُمسيةٍ شعريّةٍ تحتفي بالرّبيع العربيِّ، وتسلّقَ منبرَ الشعرِ، ثمَّ شرعَ يُلقي قصيدةً منحولةً أحسبُها للمُتنبّي، كانَ يقول مطلعُها (بيني وبينك خطوة ونص).
عجيبٌ هذا الحذاء، أذكر ُ أنّهُ قد تعرّض لوعكةٍ صحيّةٍ أصابت النّعل، فطلبَ من الحذّاء العظيم.. عفواً من الجّراح العظيم أن يستبدلَهُ بنعلٍ حديديٍ مُدبّب، وحينَ سألهُ الحذّاء عن ذلك قالَ: رحمةً بالبشر، فهو يعتقد أنَّ الأحذية هي التي تصنعُ أفكارنا، وتُشكّلُ عواطفنا، وتصوغُ وعينا بالأشياء.
قالَ لي: إنَّ نهاية التّاريخ لا تكونُ بالديمقراطيّةِ ولا بالعولمةِ ولا بالحداثة ِبل بالأحذية.. العالم اليوم يدخلُ عصري.. عصرَ الأحذيةِ، لأنَّ الطّاقة الكامنة في الأحذية هي الطّاقة الوحيدة القادرة على إدارةِ هذا العالم.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش