الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«خطرفات» صائم

تم نشره في الجمعة 1 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً


 آسيا الطعامنة

في ركن صغير، من حجرة ريفية حقيرة، تعلو أحد أركانها كوة صغيرة بالكاد يدخل منها الضوء، تعج بالضوضاء والفوضى، حيث صخب الأطفال وعبثهم الذي لا حد له، يلعبون ويمرحون، غير عابئين بما يجري حولهم من تفاصيل الحياة اليومية للكبار.
كانت الأقداح البلاستيكية المتناثرة هنا وهناك التي يدوسها الصبية بأقدامهم، ثم ما تلبث أن تتدحرج في أنحاء مختلفة من الحجرة، وبعض القطط المستلقية بأمان على الأرضية العارية التي يبدو أنها أصبحت لها نصيبا شرعيا من ذاك الإرث الحقير. كل ذلك وأكثر كان يزيد الأمر سوءا على سوء.
جلس السيد عبد الحق بعد أن خلع قبعته الرمادية ملقيا بها بعيدا في اخر أجزاء الحجرة،  مقطب الوجه على احدى المقاعد المهترئة الموضوعة في إحدى الزوايا،
نظر باستياء الى الأطفال المتراكضين ثم إلى زوجته التي كانت تحتضن طفلا صغيرا في حجرها وبأحدى يديها تحمل طبقا فيه بعض الحبوب الجافة، ثم ما يلبث أن يجذبها أحد الأطفال  ويركلها اخر.
كانت صامتة تماما، كل الذي كان يعنيها آنذاك أن تخلص تلك الحبوب من الشوائب العالقة بها، لتكون طبقا مهما على مائدة إفطارهم هذا المساء.
كان الغضب قد بلغ بالسيد عبد الحق ما بلغ، فأطلق صرخته المدوية،  اسكتوا يا أولاد الكلب. كانت فترة السكون التي حدثت بعد تلك الصرخة التي هزت أرجاء الحجرة، قد أتاحت له بأن يلقي بجسده المتهالك على سرير حديدي يرتفع قليلا عن الأرض.
حدق مليا في السقف، حيث شعر انه قد وجد مرتعا خصبا لأفكاره الشيطانية يقلبها حيث يشاء.ثم ما لبثت ملامح وجهه بالتغير شيئا فشيئا.
نهضت سيدة سمينة، تحمل طبقا بإحدى يديها، تبدو في منتصف الأربعينيات من العمر، مرتدية ثوبا مشجرا يرتفع قليلا عن أسفل قدميها. نظر عبد الحق نحوها بامتعاض شديد، ثم ما لبث أن اشاح ببصره بعيدا عنها. عاد يحدق بالسقف مرة أخرى وكأنه قد أصبح ملجأ يفر إليه، كلما مرّ أمامه مشهد مزعج. وهنا بدأ عبد الحق يخرج نفسه من بوتقة العالم الذي حوله، إلى حيث عالم ينسج خيوطه العنكبوتية بنفسه، لتناسب ميوله وأهواءه اللا معقولة، مطلقا العنان لأفكاره المجنونة. إذ إن شبح زوجته السمينة هو ما يتراءى له دائما.
تلك الملعونة، إنها سبب شقائي، أعلم أنها تكرهني وتتمنى موتي في كل لحظة، لا بد وأنها تفكر في العودة لابن عمها الذي يعيش في المدينة،فقد كانت ترغب في الزواج منه قبل أن أتزوجها، ولكنه تركها وتزوج بأخرى من بنات المدينة، لقد رأيتها تحدثه أكثر من مرة عندما كان يأتي لزيارة أبيها المقعد، وهي تعلم أنه لم ينجب من زوجته التي تركته عائدة إلى بيت أبيها قبل عام.
 نعم لا بد أنها تفكر باللحاق به والعيش معه هناك بعيدا في المدينة، أنا أعلم انها تهوى عيشة المدن، فلقد ألحت علي كثيرا عندما تزوجتها للعيش هناك.
كانت ملامح وجه السيد عبد الحق تتبدل، كلما  تنقل بأفكاره من فكرة الى أخرى. وقد بدا وكأنه لاح أمامه ما زاد في ازعاجه، حيث بدت مشاعر من اليأس مقرونة بالغضب تخيم على محياه. وهو ما زال مسترسلا بأفكاره التي لا يحدها شيء. إنها تلك المخبولة أمي، لقد ألحت علي كثيرا من أجل الزواج بتلك اللعينة. لربما تريد أن تتزوج هي الأخرى، فأنا أراها كل يوم تجلس مع جارنا الأصلع المسن، الذي توفيت زوجته منذ فترة وجيزة، لقد رأيتهما بعيني وهما  يتبادلان سجائر الهيشي، ولكنني لن ابقى معهم بعد اليوم، فليذهبوا جميعا الى الجحيم، لقد أحالوا حياتي إلى بؤس دائم. أما أنا فسوف أتزوج من ابنة صديقي العزيز مرزوق، إنها فتاة جميلة، ومطيعة، وقد أكملت تعليمها هذا العام، ولا شك أنها أصبحت الآن في سن الزواج. من المؤكد أن والدها سوف يبارك هذا الزواج، فهو صديقي المقرب منذ زمن طويل. وأظن أن العروس سوف تكون سعيدة، فهي دائما تكلمني بلطف، كلما كنت أحضر لزيارة والدها، وكانت دائما تحضر لنا القهوة بنفسها.
علت ابتسامة عريضة وجه السيد عبد الحق حين حين تذكر صديقه مرزوق وابنته
سوف أبيع غلة القمح هذا العام، لأشتري لها ما تريد من جهاز، وأثاث، ولوازم للبيت، ولا أظنهم سيثقلون علي بالمصاريف، فأمها سيدة طيبة، وابنتها لا بد وأن تكون عاقلة مثلها، سوف أسكنها بعيدا عن زوجتي الأولى، لكيلا تكيد لها، فأنا أعرفها حقودة كأمها. في تلك اللحظات كان السيد عبد الحق قد بدا يستسلم للنوم شيئا فشيئا، وما هي إلا لحظات حتى بات يغط في نوم عميق.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش