الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فقـــه مــواسم الطاعــــات

تم نشره في الجمعة 25 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً
د.عصر محمد النصر




أظلنا شهر رمضان يحمل في طياته خيرا استبشرت به النفوس،وعلى عتباته وضعت حملا أُثقلت به،ترجو رحمةً وتطلب مغفرة،وقد علمت أن في مواسم الطاعة نافذة تطل منها على خير قد أقبل،ترى فيه عظيم صنع الله سبحانه وجريان قدره ونفاذ مشيئته،فله في هذه المواسم آيات تذهب بغفلة القلب،ففي جريان الشمس والقمر وتعاقب الليل والنهار عبرة وأي عبرة،قال تعالى :” يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ”( البقرة،الآية 189)،ولولا غفلة أصابت القلب لتحرك حبا وتعظيما وخوفا وإنابة،وترى في تجدد مواسم الطاعة تجددا لنعمة الله سبحانه،فهو واهب الحياة ومعطيها،فإن وهبك الله إياها وأعطاك الأسباب؛ فقد رضي لك العمل وأَذن لك بالخير،وخير الناس من طال عمره وحسن عمله،فهي أعمار معلومة وآجال مضروبة،ومع كل موسم تنقضي محطة من محطاتها،يقترب العبد فيها من الله سبحانه،يرى في تصريف الأيام والليالي تذكيرا له،فهنيئا لقلب إذا ذكّره الزمان تذكر،وترى في مواسم الطاعة بوابة خير قد أَذن بدخولها،فحري بها أن تتزود من الخير وتنهل من نبعه،وخير ما يعين على حسن الاستقبال لمواسم الطاعات هو معرفة فقهها والعمل بذلك.
خير حال يقبل بها المسلم على مواسم الطاعات هو تعظيم الله سبحانه والقيام بحقه،وأصل ذلك أن الله سبحانه خلق الخلق لعبادته،وهو مقتضى الخلق :” أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ*فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ”( المؤمنون،الآية 116,115)،فنزه نفسه سبحانه عن العبث في الخلق،فأمرهم ونهاهم وحدّ لهم حدودا،قال تعالى :” وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”( الذاريات،الآية 56)،فأول مقامات العبودية؛ الإيمان بوجود الله سبحانه والإقرار بحقه ثم تلقي الأمر والنهي منه،فأول مراتب التعظيم العمل بالأمر والنهي،وخير ما يعين على العمل في هذه المواسم هو الدخول بنفس مخبتة منيبة،تعترف بالتقصير والذنب،وترى في هذه المواسم فرصة تذهب بتقصيرها،فالإكثار من الاستغفار والتوبة من أعظم المعينات في مواسم الطاعات،فما منا من أحد إلا وقد وقع في الخطأ بسبب ظلمه وجهله :” وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا”( الأحزاب،الآية 72)،فكل ذنب إنما يصدر من هاتين الصفتين،وفي الحديث :” كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ”(حسن)،والذنب غشاء أسود يمنع الخير ويحجبه وإنما يذهب بذلك الاستغفار :” تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ”(مسلم)،وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يستغفر في اليوم مئة مرة،ويقول :” إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي”( مسلم).
خير حال يدخل فيها المسلم هذه المواسم هو إدراك فقهها،وأول ذلك تعلم الأحكام المتعلقة بها،وهي قاعدة الإتباع،فالأصل أن المسلم لا يعمل عملا ولا يقول قولا في الشرع إلا ويعلم حكمه وفقهه،وإلا عدّ مقصرا في علمه وعمله،ومن فقه هذه المواسم : معرفة ما تختص به هذه المواسم من عبادات،فلكل موسم منها عبادات يختص بها،فعشر ذي الحجة مثلا يمتاز بعبادة الحج وزيارة البيت الحرام والمشاعر لمن استطاع إليه سبيلا،كما يمتاز بالحث على الإكثار من الذكر حيث يعظم أجره،ويستحب فيه من الإكثار من العمل الصالح،كما يمتاز شهر رمضان بعبادة الصيام وعبادة القيام،والعمل الصالح فيه يتضاعف،ومعرفة هذه العبادات المختصة يعين على حسن أدائها والانتفاع بها،كما يعين على معرفة مراتب الأعمال،وهو من الفقه العزيز،ومن فقه الحسنات،فإن معرفة مراتب الأعمال باب من أبواب الفوز بالحسنات وجمعها،وغياب هذا الفقه قد يسبب تقديم العمل المفضول مكان الفاضل،كتقديم صلاة النافلة على صلاة الفريضة مثلا،فيفوته أجر عظيم بل قد يلحقه التقصير،ويلتحق بهذا معرفة أجر العبادة المخصوصة،ومعرفة هذا الأجر والوقوف عليه يعين على حسن العمل به؛ من تقديمه وإتقانه والحرص عليه ونحو ذلك،فمعرفة أجر الصيام وأنه يتميز عن سائر العبادات،فهو كما في الحديث،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إِنَّ رَبَّكُمْ يَقُولُ: كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَالصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ”(ت حسن)،فمعرفة هذا الأجر يجعل النفس تتشوق للعمل وتحرص عليه،ومعرفة أجر صلاة الفرض في الجماعة،كما في الحديث :” صَلاَةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً”( البخاري)،مما يعين على أدائها في موضعها والحرص على ذلك،ومن فقه هذه المواسم : معرفة فقه العبادة المخصوصة،ومعرفة صفتها،وبمثل هذا يعظم الأجر ويحسن العمل،ومن فقه مواسم الطاعة،فهم روح العبادة واستحضار حقيقتها،وهو العنصر الأهم لحسن العمل،فخلف الصورة الظاهرة ما هو مراد للشارع،فالصيام مثلا لا يراد منه مجرد الجوع والعطش،وفي الحديث :” مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ”(البخاري)،فالله سبحانه غني عن عباده،وهم الفقراء إليه،وليس المراد من القيام التعب،وفي الحديث :” رَأَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبْلًا مَمْدُودًا بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: “ لِمَنْ هَذَا؟ “ قَالُوا: لِحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ تُصَلِّي، فَإِذَا عَجَزَتْ تَعَلَّقَتْ بِهِ، فَقَالَ: “ لِتُصَلِّي مَا أطَاقَتْ، فَإِذَا عَجَزَتْ فَلْتَقْعُدْ “(صحيح)،فليس لله سبحانه حاجة في أن نعذب أنفسنا،ومن فقه هذه المواسم : البعد عن الجدل في العبادة،فما من مسألة إلا ويعرض لها الخلاف،وهو خلاف في كثير من الأحيان في حيز المقبول،وإنما الواجب بذل الجهد والوسع في معرفة الحكم بدليله والعمل به على مقتضى ذلك،ومن هذا الباب أخذ الفتوى ممن عرف بالعلم والثقة بدينه،وإنما يكون السعي خلف معرفة الحكم بعزائمه ورخصه لا إتباعا لهوى النفس،ومن هذا الباب الحذر من مفسدات الأعمال،فما من عمل إلا وله من الشروط والواجبات ما لا يصح إلا بها،والإخلال بها يذهب بحقيقة العمل،وأعظم من ذلك إخلاص النية فهو أصل العمل وأساسه،فالأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى،قال تعالى :” وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ”( البيّنة،الآية 5)،وفي الحديث :” إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ “ قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: “ الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً”(صحيح)،وجماع الأمر صحة القلب وتوجهه إلى خالقه سبحانه،وإنما يكون ذلك إذا عمّر بتعظيم الله سبحانه ومحبته والخوف منه،فإذا صلح القلب صلحت الأعمال وطابت ثمرتها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش