الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة في كتاب «التفكير العلمي عند علماء العرب والمسلمين»

تم نشره في الجمعة 25 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً
الدكتورة دلال عنبتاوي


إن هذا الكتاب يولي الاهتمام بالتفكير العلمي عند العرب والمسلمين اهتماما خاصا، ويتخذ من علماء الكيمياء أنموذجا وقد جاء فيه سعي واضح ومحاولة جادة للكشف عن خصائص التفكير العلمي عند هؤلاء العلماء العرب والمسلمين وتوضح الكاتبة فيه أن هناك ملامح وسمات خاصة كان يتمتع بها هذا التفكير ولعل من أهمها أنه تفكير منظم ومنطقي ويكشف عن العلاقات الحقيقية بين الظواهر ويكشف عن علاقتها ببعضها البعض و يحترم عقل الإنسان الذي كرمه الله به، وهوالذي دفع هؤلاء العلماء إلى المزيد من الاكتشافات والاختراعات التي كان هدفها العمل على إيجاد حلول للمشكلات التي من خلالها يتحقق خير للإنسان والبشرية كلها، ويبين ضرورة أن يبتعد الإنسان كذلك عن التسليم بالخرافات والأوهام ولم يكن لعلماء العرب والمسلمين أن يفلحوا فيما توصلوا إليه من معارف علمية دون التفكير العلمي المثمر والمنهج العلمي الصحيح.
تبين الكاتبة أن هناك عددا كثيرا من الكتب التي تناولت المنجز العلمي للحضارة الإسلامية في الفترة الذهبية من منتصف القرن الثامن حتى نهاية القرن الثالث عشر للميلاد وتوضح الأسباب التي دفعتها إلى تأليف هذا الكتاب و اختيارها لعلماء الكيمياء كنموذج للتفكير العلمي عند علماء العرب والمسلمين تقول في ص 8 :»ويرجع ذلك إلى رؤيتنا إلى أن هذا الحقل من المعرفة يعطي صورة اوسع وأشمل لطبيعة التفكير العلمي والمنهج العلمي التجريبي الذي اتبعه العرب والمسلمون فجاءت عناصرهما في هذا الحقل أوضح من تلك التي تتعلق بحقول المعرفة الأخرى وأن جانب التجريب في المنهج العلمي كان أكثر وضوحا وغنى من خلال الكيمياء تحديدا، ثم تؤكد أن هذا الأنموذج يمثل إلى حد كبير التفكير العلمي لدى علماء العرب والمسلمين في مختلف حقول المعرفة الأخرى، و تشير الكاتبة إلى أن مؤرخي علم الكيمياء يتفقون على أن نشأة علم الكيمياء كعلم تجريبي كانت على أيدي علماء العرب والمسلمين؛ فعندما تحلى أجدادنا بسمات التفكير العلمي وخصائصه تمكنوا من وضع أسس المنهج التجريبي واتبعوه في إجراء التجارب التي صمموا لها الأدوات والمكاييل والموازيين توخيا للدقة وأزالوا عن علم الكيمياء ما شابه من رمزية وغموض عند أسلافهم السيميائيين وتبين أن العلماء حتى يومنا هذا مازالوا يتبعون ذلك وتشيرهنا إلى العالم (هولميارد) صاحب كتاب «المبدعون في عالم الكيمياء» والذي يقول فيه: «تتفق آراء علماءالكيمياء في المعمورة على أن علماء العرب هم من مؤسسي الكيمياء كعلم يعتمد على التجربة وفي الحقيقة أن علماء العرب هم الذين أوجدوا من علم الكيمياء منهجا استقرائيا سليما يستند على الملاحظة الحسية والتجربة العلمية وهم الذين استطاعوا أن يستخدموا الموازين والآلات والمكاييل بقصد الدقة والضبط «
لقد قسمت الكاتبة هذا الكتاب إلى أربعة أبواب وسأعرج على عجالة على ما احتواه كل باب من هذه الأبواب:
الباب الأول جاء معنونا بـ»خصائص التفكير العلمي عند العرب والمسلمين». وقفت الكاتبة في هذا الفصل على أهم الخصائص التي تمتع بها التفكير العلمي عندهم والتي تجلت في الموضوعية/ التنظيم/ الدقة والضبط/ العلية أو السببية وتكشف عن مدى فهم تلك الخصائص لدى العرب وتبين موقفهم من هذه الخصائص التي توضح أنه لايصل عالم إلى غايات علمه فيها إلا من خلال ( الفهم والتفسير والتنبؤ والسيطرة والتحكم) توضح أن تلك الخصائص لا تأتي إلا عبر التفكير العلمي، وقد اعتمدت الكاتبة في طرحها لهذه الأفكار في هذا الفصل على الجداول الإحصائية التي تثبت النتائج الدقيقة فيما ذهب إليه العلماء العرب وتحديدا فيما يتعلق بالأوزان،وخاصة في تجربة البيروني فيما يتعلق في تحديده للثقل النوعي للذهب وتخليصه من الشوائب العالقة فيه. وأكدت الكاتبة بهذا الفصل أن المنهج التجريبي عند المسلمين يعود إلى منهجهم في القياس الأصولي أو قياس الغائب على الشاهد كما هو عند علماء أصول الفقه والمتكلمين وأن هذا القياس يقوم على الفكرتين اللتين أقام «جون ستيوارت مل» استقراءه العلمي عليهما فيما بعد وهما قانون العلية والسببية، وقانون الاطراد في وقوع الحوادث.
أما الباب الثاني فجاء معنونا بـ»جهود العلماء العرب والمسلمين في إرساء قواعد المنهج التجريبي في الكيمياء». ركزت فيه الكاتبة على مفهوم علم الكيمياء عند العرب والمسلمين ونشأته وبينت أنه جاء مرتبطا بـ»السيمياء» وإن للعرب والمسلمين فضل السبق في نقل المعارف الكيمائية المتفرقة من مستوى الصناعة إلى مستوى العلم وتصنيف الكتب في الكيمياء بطريقة منظمة والاهتمام بالنظرية والتطبيق معا واستخلاص بعض النظريات من الملاحظات والتجارب المخبرية، وإن الكيمياء عندهم تتضمن المجموع الكلي للمعرفة حول المادة وتحولاتها المختلفة وكان المقصود بعلم الكيمياء عند العلماء العرب والمسلمين الوسائل التي يستطيع بها الكيميائي أن يبدل طبائع الأشياء تبديلا يحول بعضها الى بعض وذلك إما بحذف بعض خصائصها أو بإضافة خصائص جديدة إليها وقد كان لهؤلاء العلماء دور في إرساء قواعد المنهج التجريبي في الكيمياء وقد ركزت في هذا الفصل كذلك على نماذج من أعمالهم التي تكشف وتوضح مظاهر التفكير العلمي عندهم ومدى اتباعهم للمنهج وفي هذا الباب أيضا وعلى هامش المنهج العلمي التجريبي بينت الكاتبة أن مصادر المعرفة التي استقى منها العلماء العرب والمسلمون علومهم كانت سببا في إثراء معرفتهم التي جاءت موجزة في مصادر ثلاثة هي التعلم سواء كان ذاتيا أو في صروح العلم/ والترجمة/ والتجريب القائم على إجراء التجارب باتباع المنهج العلمي. وتبين أن روح العصر آنذاك اقتضت أن تكون المعرفة موسوعية وتبين أن العرب والمسلمين هم مؤسسو الكيمياء كعلم تجريبي، وتؤكد هذا من خلال ما قام به فو ليبيمان من إحصاء للكيمائيين العرب الذين عاشوا بين القرن الثامن والقرن الرابع عشر والذين اشتغلوا بالكيمياء وكتبوا عنها فكان عددهم ستين عالما وكان من أشهرهم جابر بن حيان، والرازي، والكندي و الهمداني والمجريطي وغيرهم.
لقد تتبعت الكاتبة المنهج التجريبي في اشتغالات أبرز علماء العرب والمسلمين في علم الكيمياء ووضعت يدها على ثمرات التجريب في علم الكيمياء وبينت أن من اهمها كان وضع الكيمياء في خدمة أغراض الإنسان فقد كان للعرب الفضل في تحضير الكثير من الأدوية في مقدمتها الكافور والصندل والرواند والمسك والتمر هندي والحنظل وجوز الطيب وغيرها وكذلك دراسة الأعشاب النباتية والعقاقير الطبية ثم أن الأدوية التي حضرها الكيميائيون العرب والمسلمون قد جاءت على أنواع هي: النباتية والمعدنية و الحيوانية وقد استخدمت عمليات كيميائية كثيرة لتحضير الأدوية بالأضافة إلى تحضير المركبات الكيميائية أو فصلها أو تنقيتها ومن أبرز هذه العمليات: التنقية والتشويه/ والتقطير/ والاستنزال/ والتكليس/ والتشميع/ والعقد / والتبلور/ والتصعيد
أما الباب الثالث فجاء معنونا بـ»منهج العلماء العرب والمسلمين في الترجمة». بينت الكاتبة في هذا الباب المنهج الخاص الذي اتبعه علماء العرب والمسلمين في التعامل مع الكتب المترجمة إذ كانوا تواقين للمعرفة منفتحين على الآخر وعدوا هذه الكتب كنوزا معرفية لكنهم في الوقت ذاته اتبعوا منهج الشك العلمي وكشفوا عن أخطاء ومواطن الضعف فيها بموضوعية لم تمنعهم من الشك في آراء تعود لكبار علماء اليونان.وقدمت لمحة عن الترجمة في الدولة الإسلامية وأوضحت أن حركة الترجمة نشطت في عهد هارون الرشيد والمأمون فنقلت الى العربية كتب الإغريق في الكيمياء وغيرها من العلوم وأن هذه الكتب كانت تترجم أولا إلى اللغة السريانية يترجمها النسطوريون ثم تترجم إلى العربية وما تزال بعض التراجم السريانية في الكيمياء باقية إلى الآن وقد أسفرت تلك الترجمة عن انتشار الكتب العلمية التي شكلت كنزا معرفيا للعلماء العرب والمسلمين الذين أقبلوا عليها بالدرس والتمحيص أوضحت الكاتبة في هذا الفصل موقف العرب والمسلمين العلمي والفكري من الترجمة وحصرت تلك الملامح في التقاء الحضارات وعالمية المعرفة وفي استخدام منهج الشك العلمي وفي مواصلة البحث والتوصل إلى معارف جديدة وكان أخرها احترام الإرث العلمي بالمحافظة عليه وإشاعته في العالم. وأكدت أن الترجمة لاتحيا من الفراغ وما كان لها أن تنتعش أثناء النهضة العلمية عند العلماء العرب والمسلمين لولا كفالة حرية الفكر ورخاء الدولة الإسلامية وحرص الخلفاء وأهل اليسار على تقدير المشتغلين بالعلم والترجمة وحسن معاملتهم حين أجزلوا لهم العطاء حتى كان حنين بن اسحاق يتقاضى من المأمون وزن ترجماته ذهبا.
أما الباب الرابع والأخير فقد جاء معنونا بـ»معيقات التفكير العلمي في المجتمعات العربية والإسلامية». لقد تناولت الكاتبة في هذا الفصل أهم العناصر التي تعيق التفكير العلمي في المجتمعات عامة، وفي المجتمعات العربية والإسلامية على وجه الخصوص وبينت ضرورة الأخذ بعين الاعتبار التقدم في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإعلام في وقتنا الحاضر، وبينت أثر بعضها في تكريس أنماط من التفكير تعيق التفكير العلمي وتوقع الإنسان في المغالطات فتقول الإعلام الغربي الآن يقدم صورة نمطية مزيفة عن الدين الإسلامي يبين فيها أن الإسلام دين ثقافة وحضارة وهو قائم على التضاد مع العقل والحداثة والتحديث. وتبين الكتابة في فصلها الأخير أن هناك عوامل كثيرة تعيق التفكير العلمي في زمننا هذا وتقف حائلا دونه ولعل أهمها: الأسطورة والخرافة / والخضوع للسلطة الفكرية والعلمية السائدة / إنكار قدرة العقل/ التعصب/ والإعلام المضلل لذلك ترى أنه من الضروري أن يحترم دور العقل وأن احترامه لايعني فقط الوصول إلى معرفة علمية لكنه في الوقت نفسه يعني الابتعاد عن الخرافات والانتقال بالفكر من الجهل والفوضى إلى التنوير وبخاصة عندما يتحلى التفكير العلمي بالروح النقدية الخلاقة.
وبعد؛ فقد ارادت الكاتبة من خلال كتابها أن تنتصر للتفكير العلمي عند علماء العرب والمسلمين وخاصة عند علماء الكيمياء منهم.. لقد جاء كل ذلك... من خلال لغة نقية جذابة جمعت مابين العلم والأدب فجاءت سلسة سهلة تملك روح العلم وشفافية الأديب... وقداعتمدت الكاتبة على الأسلوب العلمي المتأدب في طرح أفكارها للتأكيد على أننا كنا نملك حضارة متميزة... ومازال التاريخ يشهد على ذلك.  

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش