الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سرقوا اعمارنا ايضا..!

حسين الرواشدة

الأربعاء 23 أيار / مايو 2018.
عدد المقالات: 2281

مشكلة الفساد لا تتعلق فقط بالذين سرقوا اموالنا، هؤلاء نعرفهم ويمكن ان نضبطهم “بالجرم” المشهود، وسواء استطعنا ان نضعهم امام موازين العدالة لينالوا عقابهم العادل، او استطاعوا ان يهربوا من المحاسبة، فان صورهم المشوهة في عيون الناس ستبقى في الذاكرة، كما ان “لعنة” الحرام ستظل تلاحقهم للابد، المشكلة ليست في هؤلاء فقط، وانما في آخرين سرقوا اعمارنا (يا خسارة) ويريدون ان يسرقوا اعمار ابنائنا، ويلغوا مستقبلهم، ويطاردوا احلام احفادنا ايضا.

المشكلة ايضا في طبقة ثالثة غابت “ضمائرهم” او تم شراء ذممهم، فصمتوا عن ادانة الفاسدين، او ظلوا واقفين وراء الستارة ولم يتحركوا للدفاع عن قيم المجتمع ومصالحه، او مروا من هناك وكأن ما حدث لا يعتبر عبثا في النواميس الوطنية، ولا انتهاكا لحق الانسان المقدس في  “الحياة”.

اخطر ما فعلته “ نخبة “ الفساد بنا انها نجحت في “تغييب” الضمير العام، وتسللت الى مجتمعنا من خلال عملية منظمة لشراء الذمم واسكات الاصوات، ومن المفارقات الغريبة ان الصراع على ملف “الفساد” اصبح بين الفاسدين انفسهم، ، وبالتالي تحولت المعركة ضد هؤلاء الى “فخ” لم نعرف كيف نتعامل معه او نخرج منه، اذا سالتني كيف ؟، ساقول لك ان بعض القضايا التي تطرح في الاعلام او حتى في الشارع ليست اكثر من “مكائد” رتبها بعض المتورطين في الفساد لاشغال الناس بها او لتصفية حسابات بينهم، او لتضخيم الظاهرة بحيث يبدو من المستحيل مواجهتها ناهيك عن تصريحات تحذيرية سمعنا بعضها تهدد وتتوعد “بكشف” المستور او بتوريط الجميع على قاعدة  “علي وعلى اعدائي”.

الفساد – يا سادة – لم يعد يقتصر على نهب الاموال وسوء استخدام الصلاحيات الادارية، ولا بيع الممتلكات وتنفيع المحاسيب والتجاوز على الصلاحيات وخيانة المسؤولية وانما تجاوز حدوده فاصبحنا نراه بعيوننا يتجسد امامنا بالاستهانة بالناس واستعباطهم، او بالمجاهرة بالمعصية والدفاع عمن يتجرأ على “قيم” المجتمع وتقاليده، بل ودينه ايضا، او بالاساءة لاذواق الناس وسلامة مائهم وغذائهم وصحتهم، لقد تطور الفساد وعمّ حتى اصبح جزءا من حياتنا العامة واخطر ما فيه انه اصاب منظومة اخلاقنا، وروض “ ضمائرنا “ وانتج جيلا جديدا او طبقة تمددت وتوسعت حتى اصبحت مصالحها مرتبطة به تماما، وبالتالي فهي تحميه وتدافع عنه بكل ما لديها من قوة ونفوذ.

معظم الشرور التي خرجت الينا، سواء على شكل اعمال عنف اجتماعي، او جرائم بلطجة وسطو، او جرأة على العبث بالمال العام، او غير ذلك من مظاهر عدم الاحساس بالأمن او عدم احترام قيم الوظيفة العامة..كان سببها الاساس ترددنا في مكافحة الفساد واستئصاله، اما قصة الفقر  والاحوال الاقتصادية المتراجعة فلا علاقة لها بالموضوع لأن الفقر - ببساطة - لا يولد مجرمين بل مبدعين ولان قيمته ايضا في تجربتنا وذاكرتنا تعادل قيمة النظافة والطموح والابداع والاعتزاز بالعصامية ايضا.

لن يقتنع المواطن الاردني الذي كشف “المستور” بأي مسوغات او ذرائع للتغطية على “ملفات” الفساد او إدراجها –كما كنا نفعل- في الأدراج او تقييد فضائحها ضد مجهول، لقد انتهى العصر الذي كان الناس يشعرون فيه بأنهم “يتامى” لا صوت لهم ولا ارادة، وبأن كلمة المسؤول لا ترد، وبأن “الوطنية” مجرد منصب وتصريح ساخن لا معنى له، وانجازات جاهزة لغايات التزيين، انتهى هذا العصر، واصبح للناس عيون مفتوحة ترى من خلالها كل شيء، وافواه فاغرة، تقول كل شيء، وروح حيّة لا يمكن اسكاتها او اعادتها الى “غيبوبتها” الاولى.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش