الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

العلاق في «طائـر يتعثـر بالضوء».. تقاسيم علـى ناي جـريح

تم نشره في الجمعة 18 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً

 د. إبراهيم خليل
ما زال الشاعر العراقي علي جعفر العلاق يكبُرُ مع كل ديوان يصدره في أعين الدارسين، والنقاد، المهتمين بالشعر؛ لأنه لا يسعى لتكرار التجربة، بل لتجاوزها في كل عطاء متألق يدفع به إلى المكتبة الشعرية العربية التي أصبحت- للأسف - فقيرة للدواوين الأصيلة المبتكرة. علاوة على أنه لا يفتأ يفجأ القارئ، مع كل جديد يصدره، بلغته الشعرية الفائقة، الأنيقة، وبأسلوبه الماتع، وجروسه الموسيقية الخافتة حينًا، المدوية حينًا آخر. فبعد دواوينه: نداء البدايات (2011) وذاهب لاصطياد الندى (2012) وحتى يفيض الحصى بالكلام 2013 ووطن يتهجى المطر (2015) تطلع علينا دار فضاءات للطباعة والنشر والتوزيع بديوانٍ جديد له بعنوان « طائرٌ يتعثَّرُ بالضوء « (2018) ومن يقرأ الديوان في غير قليل من التأمل، والتبصُّر، يستخلص منه أن الطائر المتعثر هو الشاعر نفسه، فالقصائد التي يتألف منها، وعددها ثلاث وثلاثون قصيدة قصيرة، لا تعدو كونها تقاسيم على نايٍ جريح، أو على وَتَر نازف.
ذلك أن الشاعر، الذي يوجعه ما حلَّ، ويحلُّ، بالعراق بعد العدوان الثلاثيني، والاحتلال الأنجلو- أميركي، وهيمنة الشعوبيين والطائفيين، والمفسدين، عليه وعلى مقدراته، وتشريد النابهين من شعرائه، وكتابه، ونقاده، ومفكريه، وفنانيه، و علمائه، لا يلاقي، في ما يَعْجُمهُ من لغة الشعر، وما يقرضه من نفائس القريض، إلا ذلك الطعم الذي يجده المنفيون في أفواههم. ففي واحدة من قصائده التي تحتلُّ، وتتبوأ، منزلة الاستهلال يتخيل العلاق عاشقين يرودان مكانا كانا يلتقيان فيه في الماضي، لكن ذلك المكان الذي يُفترض أن يكون موطن الذكريات، لم يعد فيه من شيء سوى الكوابيس، والذئاب المفترسة، والسَحَرة، والشمس التي تجف:
حلمٌ
تتلقَّفه جوقةٌ
من ذئابٍ،
ومنْ سَحَرةْ
ثمَّ شمسٌ تجفّ
رويدًا.. رويدًا..
على آخر الشجرة
وفي أخرى يتقنَّع العلاق قناعًا، هو قناع الشاعر الذي يهوي في انفعال قويّ على قصائده بفأسٍ، وعلى ناقته بالويْل، والثبور، وعظائم الأمور، فلكمْ أنهكه، وأنهكها، الحنينُ، ومع ذلك لا فائدة، فها هو ذا في آخر القصيدة، وفي مفارقة تدهشُ القارئ:
وفجأةً،
أفيقُ من سكرتيَ الكبرى
أذلكُمْ أنا؟
أم ذلكُمْ صوتُ ارتطام الليلِ
بالأكواب؟
وتخيِّم الوحدة في « خيط الكلام « على عالم المتكلِّم، والمتكلم هو الآخر شاعرٌ يريد لقصيدته أنْ يتفاعلَ بها الآخرون، لكنَّ الآخرين لا تبلغُهُم قصائدُه، ولا تصكُّ آذانهُم أشعارُه، ولذا يُنهي القصيدة القصيرة بمفارقة عن بياض الكلمات، وانعدام المعنى:
يذوبُ في يدهِ
خيطُ الكلامِ
ولا.. يَرى
طريقًا إلى المعنى سوى
لغة ٍ.. بيضاءَ غائِمَة.
فهو يحنُّ لبغداد، ويحنُّ لكرْخ ابن زُرَيْق(420هـ)، ويحنّ لعيون المها، التي تجلب الهوى من حيث يدري، ولا يدري، على مذهب الشاعر علي بن الجهم القرَشيّ(249هـ)، ولا يجني من ذيّاك الحنين المعتَّق إلا شيئين هما: خيبة المسعى، وصحْوةُ القلب الحزين من نوْباتِ التوْقِ الحنين:
لا الريحُ تمضي بي
إلى هوَّةٍ
لا خمرةُ النَوْمِ عِراقيةً
لا خُطوة البدْءِ، ولا المنتهى
لا الكرْخُ يدْنو، لا « عيونُ المها «
تضيءُ دنيايً...
مثلُ هذه الخاتمة، التي تنفي بزوغ الضوء في نهايةِ النَفق، يختتم بها العلاقُ قصيدتهُ «عيون المها» لتعبر عن شعور الطائر الحبيس بالإحْباط، فعلى الرغم من أنه عاجزٌ عجزًا كبيرًا عن التحليق في سماواتٍ بعيدة، إلا أنه فوق ذلك لا يفتأ تعاودُه الكوابيس، وتراودُه الرؤى، وهو في مَنْفاه القسْري هذا، فهو – وإنْ رأى في ما يرى النائم حلمًا جميلا يعود به إلى زمان مضى- إلا أنَّ هذه الرؤيا تنتهي بما لا يتَّفق مع هذا الشعور العارم بالغُموض:
سنعود إلى ليلنا الحرِّ ثانيةً
والقبائلُ منْ حوْلنا
وطنٌ من عُقوقٍ جميلْ
وَمنْ صَلَواتْ
يُلاحظ هذا التناقضُ في قفْلةِ القصيدة بين العودة لليلٍ حرٍّ، بما يمثله هذا التعبيرُ من رمز للماضي، والقبائل التي تحيط بالعاشقين إحاطة العُقوق، كذلك التناقضُ الصارخ بين العقوق والصلوات، فالوطنُ، الذي آل إلى ما آل إليه بعد الاحتلال الأنجلو – أميركي، وطغيان الشعوبيِّين، والطائفيِّين، وطنٌ يمتزج فيه العقوقُ - بما يمثِّله من رمز على المستوى الأخلاقي، والديني، والعاطفي- بالصلوات.. وهو في قصيدةٍ مجاورة لهذه القصيدة يجاهرُ بالتعَب، ذلك الذي يحرِمُه لذَّة الرقاد، وخلسَاتِ الكرى:
لا نعاسٌ ينتظرني في السرير
لا الليلُ يمشي حنونًا خارجَ النافذة
ليس إلا رجالٌ يشقُّونَ ذاكِرتي
بمخالبِهم
يهبطونَ على لُغتي
بمظلّاتٍ من الأسْلاكِ الشائِكَةْ
ليسَ إلا أطفالٌ يرْضَعونَ
منْ قيثارةٍ
بلغتْ سنَّ اليأس.
فكلُّ شيءٍ في العراق – كما في غيره من البلاد العربية الأخرى- على غير ما يرام، فعلاوةً على أن العقاقير والأدوية المهدئة، لا تنجح في إعادة الكرى لمن أصابه السُهادُ، والأرَقُ، فإن الليل ليس كعادته حنونا على من يسهرون، والطرقاتُ لم يعد العشاق يعبرونها عائدين إلى بيوتاتهم في آخرةِ الليْل، بل يتزاحمُ فيها أمنيّون يدوسون بأحذيتهم العسكرية الثقيلة ذاكرةَ المتكلِّم، ويشقُّونها بأسلحتهم، وبأظافرهم، إنْ أعْوَزهم السلاح. فهم يهبطون على لغة القصيدة هبوط القوَّة الخاصَّة بالمظلات على المحاربين. كلُ شيء توحي به القصيدة تجسيدٌ لما هو مُفْجعٌ؛ فالأطفالُ حديثو الولادة لا يرضعون من لبن الأمهات، كما هي العادة، بل يرضعون من قيثارة بلغتْ سنَّ اليأس، أيْ أنهم يشيخونَ قبل الأوان، ولا يتمتَّعون بطفولةٍ طبيعيةٍ كغيرهم من أطفال العالم، وإنما ينشؤون في رعبٍ يغذّيه الحقد، والنقمة، والتطرُّف. فكلُّ شيء يجري إلى غاية غير تلك التي تقتضيها طبيعة الأمور، وإلى مُسْتقرٍّ غير الذي يتطلبُه منطقُ الكائنات، فحتى جسَدُ المتكلم يبدو له، ولنا، منفصلا عن ذاته، وعلاقتُه به كأيِّ علاقة بين اثنين مختلفيْن، والجوادُ الذي يمتطي صَهْوته فارسُ الشعْر ليس كجواد المتنبي(354هـ) (سرجُ سابحٍ) وإنما هو جوادٌ من قلَقٍ، يُسابق الريحَ، في مطرٍ لا مَطرَ فيه:
فجأةً
مطرٌ يَطْرق البابَ
محتضنا باقةً من نعاسٍ
خفيفْ
...  ...
أتأمَّلُني
ليسَ إلا مُسَوَّدَةٌ
ليسَ إلايَ منتظرًا ضوءَها
ليسَ إلا صديقي الخربفْ
يتعَثَّرُ مُبْتعدًا
***
ويطولُ بنا الأمْر إذا نحنُ حاولنا تقصّي هذا البعد الشجيّ، الحزين، في « طائر يتعثَّرُ بالضوء» ويشغلنا في هذه الحال عن تتَبُّع الثراء المجازيّ الذي يتجلى في القصائد، وفي هاتيك الانزياحات التي تقوم على ائتلاف الألفاظ، وتفاعلها، على الرغم من أنها في المعْجم لا تأتلف، ولا تعْتلق. فما الذي يجمع بين اللغة، والنعاس، أو الحيرة والبياض، أو الحيرة والسلَّم، أو التعب والضوء، أو الشَجَر والحزن:
ذي لغتي
شريكتي في ابْتكار الوهم
أرْهِقُها
بما أحمِّلُها من وحْشتي وبما
يُلقي على حُلُمي
من حُزْنه الشجرُ
علاوةً على هذه المجازات التي تجترحُ المؤتلفَ فيما هو مُختلِفٌ، ثمة بناءٌ ( حِرَفيٌ )- إذا جاز التعبير- للقصيدة القصيرة، فثمة نسقٌ-مثلا-  يتألف من ثلاثة أجزاء ؛ الأول منها يرسم الرؤيا مَشْهدًا فُتاتهُ شمسٌ ، ووحلٌ، وخيام، ومطرٌ، لا مطر فيه. ثم يترك الشاعرُ هذا المشهد الاستهلالي ليعمق الرؤيا في التالي بمزيد من الإيضاح: الشوارع، والريح، وكبرياءٌ تذلُّ من شدَّة الجوع، ونساءٌ يأكلن أجسامهن جزءًا تلو الآخر، فهذان عنصران- الكبرياء الذليل، والنساء المتداعيات-  يوحيان بالنبرة المأساوية التي ينتهي بها النصّ. ينقطع، ويتوقف، سيل الصور لينتقل بنا الشاعر للجزء الثالث والأخير، فإذا هو يوحي لنا، فيما يشبه الذروة،  بما هو أقل موتًا مما سبق، أشجارٌ يأكلها اليُتم، والسهر، ولا:
تجد حولها
ليلا يصلُحُ
للنوْم
وفي قصيدةٍ قصيرةٍ أخرى « مرةً قلتُ للعذاب « نقف أمام نموذج من جزءين، أولهما يكتفي بذكر المتكلم، وخطابه للعذاب ، والثاني يخاطبُ العذاب مرة أخرى، لكنه ينتقل في هذا الجزء للتكلم عن شخصية أخرى، هي المرأة، التي:
هي لا تستحقُّني
فاحْتطبْها
واجمع الجسديْنِ مُضْغة نارٍ
تتلظّى
مشوقةً ومشوقا
وبذلكَ يكتملُ النص، وتنْتهي القصيدة، بانتهاء هذه الرؤية التي تجمَعُ بين المعذبِ، والمعذبة، وكل منهما يعاني من نشوةِ الاقتلاع. وعلى الرغم من أنَّ قصائد العلاق في هذا الديوان قصائد قصيرة، يغلب عليها الطابع الغنائي، إلا أن قصيدة واحدة – على الأقل- يغلب عليها الجانب الدرامي. وهي قصيدةُ « موعد مع أبي حيان «. فعدا عن الصورة التي يرسمها العلاق للتوحيدي- صاحب الإمتاع والمؤانسة- (414هـ)نجده يحاوره حوارًا يكاد يوحي بألا فرق بين الشاعر ومن يحاورهُ، يقول:
وحينما دنوتُ كان عاريًا
يرحلُ في طفولة الدُخان:
خذني إلى فوضاك
خذْ قصيدتي
خذْ سَهَري القديم
خذْ تأوُّهَ الغزلان
واسقِ بنا نارَكَ
بل ناريَ كيْ تمتدَّ حتى
آخر النسيان!
ففي التناوُب الذي عمد إليه العلاق؛ نارك، وناري، وبنا، أحالنا إلى كيان واحدٍ، ينقسم على اثنين، هما الشاعر، في صورته الواقعية، وفي صورته الافتراضية أيضًا من حيث هو متبتِّلٌ في محراب الشعر، والكتُب، والحبر، والأنقاض الغضة التي تعلو دولة اللهب، والتوحيدي المتجرد من قشرة الواقع الزائف، مستردًا براءته من ذلك الزيف بالعُري، وبطفولة الدخان.
ولا تفوتنا، ونحن نختتم هذه الملاحظات على ديوان « طائر يتعثَّرُ بالضّوء « الإشارة إلى أن الشاعر العلاق لم يظفر في رحلاته، شرقًا وغربًا، وفي أكثر من اتجاه، لا بسعادة الوهْم، ولا بتلفُّت المرتاب، لا على مستويات المدلول الخاص، ولا العام، فهو لذلك عاكفٌ على نسقه الشعري، يكرر ما كان قد لجأ إليه في ديوان «نداء البدايات « من محاولاتٍ مُبْتَكرة باستخدام جزءين إيقاعيَّيْن مختلفين معا في قصيدة مدوَّرة تبدو، في الظاهر، من شعر التفعيلة الواحدة. ففي « سألتها أن تقود الليل من يده « وفي « ذئاب الحديقة « وفي « مرة قلتُ للعذاب « وغيرها.. يستأنفُ ما نجح فيه من تطويع البحر الشعري لهذا النوع من الشعر المنتظم الوزن، مراوحًا بين تفعيلات البسيط، والخفيف، والمتدارك. وذلك ينمُّ على قلقٍ يعيش فيه، ومعه، الشاعر، فهاجسه التنويعُ في موسيقى القصيدة، والالتفاتُ للتجارب الرائدة، التي تكسر الطابَع الرتيب لقصيدة التفعيلة، أوْ القصيدة الحرة، وقد نجح فيما أخفقَ فيه آخرون.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش