الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مهيئات تقنين المصطلح النقدي

تم نشره في الجمعة 18 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً

 د. نادية هناوي/ ناقدة من العراق
قد تغدو ناجزية المصطلح النقدي إنتاجا وتسويقا أمرا منوطا بمنظومة الدرس الغربي، بوصفه المرجعية التي لا حياد عنها بإزاء أي تسمية يراد لها أن تكون مصطلحا. وإذا تحدثنا عن تلك الناجزية وتموضعها في إطار الدرس النقدي العربي فلا شك أن فاعلية الموضعة للمصطلح تظل رهنا بالنقد الغربي ومن دونه تبقى عائمة بلا ضفاف. والسبب أن ممكنات البلورة الاصطلاحية ليست مستقرة أولا من ناحية المرجع والتأصيل وثانيا من ناحية التعاطي والتداول ليظل أي اصطلاح موسوما بالتزعزع والشك والارتياب.
وليست المسألة مرهونة بضعف الاصطلاحية النقدية العربية، وإنما بتخلخل مقصدية التلقي والقبول عند الناقد العربي الذي اعتاد أن يتلقف المصطلح من منظومة الآخر الغربي بثقة واعتداد بلا أدنى تهاون في انتهاجه أو تراخ في العمل به والتفاعل معه، بينما ينظر للمصطلح المبتدع عربيا بخلاف ذلك أما لأنه غير معمم في تداوليته أو لأن لا شكل يحدده ولا قاعدة يستند إليها ولا مرجعية بعينها تمنحه المشروعية والقبول.
وهذا ليس جديدا على نقدنا العربي الحديث منه والمعاصر، فلقد بنى طروحاته وممارساته على الاتباعية للنظريات النقدية الغربية والانسياق في منهجياتها كافة مداوما على امتهان اجرائيتها.
وإذا كان (المفهوم) يطوف في الدرس النقدي طافحا على السطح بعمومية وبلا رسوخ أو ثبات؛ فإن (المصطلح) يتخطى عائمية التسمية غائرا إلى العمق مستقرا في القاع بأمان ورسوخ غير متزحزح ولا متضعضع، ليغدو منظورا إليه بمجموعه لا تشوبه شائبة وواضحا في جميع أبعاده جاهزا للعمل والاشتغال والتداول.
ولا تغدو صناعة المصطلحات عملية إنتاجية متقنة ومسوقة وحقيقة ما لم تتخذ لها منهاج عمل ممدرس وبحث مبرمج يجسّر الطريق للمفاهيم كي تصبح مصطلحات مقننة بنسقية ومصنوعة بشروط تسمح بتمثيلها على النصوص المقروءة بإجرائية مأمونة، وبما يمنح الناقد مديات متاحة من الاشتغال بسعة ومضاعفة كشفا وإبانة، تحليلا وتأويلا.
وإذ يستمد المصطلح مدلوليته التأصيلية والإجرائية مسبوقا ببحث بيداغوجي؛ فإن ذلك يتأتى من فاعلية إنتاجية تسمح بتجاوز العموم والشمول باتجاه التخصص والتعيين.
وليست صناعة المصطلح فذلكة يراد بها الاشتطاط أو نزوة باتجاه المروق أو مغامرة لأجل ركوب الموجة، وإنما هي ممارسة واعية وعملية مرتهنة بمرجعية تشربت نظرية نقدية معينة بمفاهيمها ومبادئها وفرضياتها معيدة هضمها وإنتاجها لتكون النتيجة بلورة نقدية ترصن الاصطلاح وتحدد مستوى العمل به معمقة خصوصيته في الممارسة وبما يميزه عن غيره من الممارسات. ومن المهم القول إن اجتراح المصطلح ونجاح توظيفه على مادة أدبية نصية كانت أم غير نصية يتطلب توضيحا للآليات التي ينطوي عليها وبيانا للإمكانيات التي يتيحها للناقد وهو بإزاء تشخيص المادة المبحوثة وتحليلها ونقدها محققا إنتاجا قرائيا.
والسؤال ماذا لو أنتج الناقد قراءة ما من دون أن يرتكن إلى مصطلح بعينه منطلقا مما يستودعه في ذهنه من مفاهيم ومرجعيات؟
لا غرو أن الناقد حينئذ سيقدم قراءات تؤدي خلالها وظائف الشرح والتفسير والتأويل، بيد أن تلك القراءات قد توسم بالتخصصية وقد لا تكون كذلك والسبب أنها تظل بمستوى قرائي يصلح لعموم القراء. ولهذا فإن انتهاج الممارسة النقدية باحترافية ومهنية لن يتم إلا إذا ارتبط ذلك الانتهاج بتوظيف المصطلحات بوعي خالص وتخصصية عالية وباتجاه تفاعلي تتعادل فيه كفتا التنظير والتطبيق وتوثق أواصر الانفتاح بين الذات الناقدة والذات القارئة لتكونا متقاربتين في العلمية النقدية.
وحري بنقدنا العربي أن يكون أكثر ذاتية وفاعلية في صناعة اصطلاحاته الخاصة وبما يجعل النقد العالمي نفسه يلتفت إلى نقدنا ويحاول مواكبة مستجداته، وبالشكل الذي يجعل التفاعل ضروريا من غير تعال وبلا تبعية أو دونية.. لكن ألا تحتاج صناعة جهاز اصطلاحي معين وجود نظرية نقدية ناجزة ذات أبعاد واضحة وآفاق حقيقية؟
ولا غرو أن كل مصطلح هو في الأصل مفهوم لكن ليس كل مفهوم مصطلحا. والمصطلح ليس وصفة متعالية ولا هو بهرجة تكميلية وإنما هو محايثة موضوعية وتصور فينومنولوجي  أتيحت له شروط التمكين والتحقق بطواعية وقصدية وهذا ما يجعل النص المنقود في صورة خطاطة أفقية على المستوى النظري وبنية عمودية على مستوى العمل.
وبهذا تتوضح حيوية التوظيف للمصطلحات في التحليلات النقدية وأهمية الاستعانة بها في التفسيرات القرائية لتظهر رصينة لا يعتريها إخفاق وجادة لا يطالها شطح ولا تماد.
إن مقصدية ابتداع اصطلاح نقدي عربي أصيل والترويج له وتسويقه في نطاق الدرس النقدي عموما والأكاديمي تحديدا يستدعي فاعلية تخصصية تتيح لصانع المصطلح التحرر الزماني والمكاني من تبعات الانخراط في إيديولوجيات مختلفة أو متضاربة وتمكنه أيضا من تحديد مساره منضويا انضواء صميميا في خضم توجه نظري بعينه. وهذا ما يضمن تأسيس المصطلح بتخصصية مبدئية محددة وواضحة.
والمصطلح قبل كل شيء فكرة، ولأنه فكرة فلا بد عند بذره من تهيئة أرضية ملائمة لغرسه وذلك يتحقق من خلال وجود حاضنة مرجعية تديم الغرس موفرة له الأجواء الصالحة التي تساعد على إنمائه حائلة دون نفاذه أو فقدان صلاحيته.
وما كان لمصطلحات مثل الديالكتيك والواقعية الاشتراكية والماركسية والمادية أن تنشأ لولا الحاضنة الإيديولوجية التي انبثقت من معطيات مرجعية تتصل بفلسفات عقلية هيغلية وماركسية ولينية وديدروية وغيرها.
وعربيا هيأت الحاضنة الفكرية مرجعيات أسهمت في ابتداع مصطلحات كثيرة فعلى مستوى الحاضنة العقائدية أنتج النقد الأدبي العربي كما غير قليل من المصطلحات النقدية من قبيل الفكر الإصلاحي والأدب الإسلامي والحلولية والوحيانية كما أن الحاضنة السياسية أنتجت مصطلحات تمحورت حول مفاهيم التطرف والتكفير والإرهاب مثل الوسطية والاختلاف والقبول والانا والآخر، وهناك الحاضنة العبر ثقافية التي تبنت مصطلحات العولمة والاستعمارية والامبريالية والسلطة والاستشراق والاستغراب والثقافة والمثقف وغيرها .
كذلك صار لدينا كم لا يستهان به من مصطلحات مؤدلجة وتنويرية وليبرالية مثل التبريرية والتنويرية والتواطؤية والعلمانية والتوتاليتارية والعسكرة ومصطلحات متعلقة بالفلسفة مثل العقل والسلطة والمعرفة والإرادة وغيرها .
ولا بد في ابتداع المصطلحات من استلهام معرفي يمكّن من أداء الوظائفية المطلوبة التي بها يتعزز البعد النظري وتتمكن الذات من الشروع المنهجي وبما يحصن ممارستها النقدية من الاختلال المرجعي والتزحزح المعرفي وينجيها أيضا من التماهي أو التصادي.
بعبارة أدق أن يمتلك الناقد القدرة على تحويل الوعي النظري من مجرد كونه تاريخ أفكار ومنجزات ومفاهيم وطروحات إلى معطيات تتسم بالقابلية على التطبيق والتوظيف وبلا قصور أو التباس كأن يكون في شكل معطى أكاديمي أو مقصد نقدي.
ومن مهيئات الصناعة الاصطلاحية التخصص في ميدان إبداعي بعينه، كأن يكون في نقد الشعر أو نقد السرد وهذه التخصصية هي التي تجعلنا بإزاء قضية بعينها كأن تكون قضية التجنيس أو الهوية أو الصياغة الأسلوبية وبما يساعد على ابتداع مصطلحات ناجزة جامعة مانعة أصيلة سواء كانت لها صلة بما يفد إلينا من تنظيرات الآخر أو لم تكن لها صلة البتة.
وبالتأصيل المرجعي يتحقق للناقد الاستيعاب المنطقي لحدود الاصطلاح ويمنحه ذخيرة ذات شكل دوغماطي وبعد بيداغوجي، يجعل مجموع النقاد متفقين ومجمعين على صحة التسمية وفاعلية المحتوى. وكان تأثير النقد الأرسطي على الناقد العربي قد جعله يبتدع مصطلحات مثل التعضي والواقعية المفرطة والشعرية والشاعرية.
 وقد دشن للدكتور محمد غنيمي هلال مصطلحات لها صلة بالنقد الأرسطي مثل تنظيم أجزاء القول والوعي النقدي والمقياس الأرسطي وهذا طبيعي فغنيمي من المتأثرين بالنقد الأرسطي وفي الوقت نفسه كان من المنبهرين بالنقد العربي القديم وهو الذي عدَّ أرسطو أبا للنقد الأدبي المنهجي في العالم كله، وكانت نتيجة تأثر الناقد المعاصر بالميراث النقدي العربي أن أتيحت له فرصة ابتكار مصطلحات ثقافية جديدة كالدلالة النسقية والجملة الثقافية وثقافة الوهم والآخر والفجوة المجازية التي تستند في اجتراحها إلى مقولات الجاحظ وعبد القاهر الجرجاني وابن الأثير وغيرهم. وكل واحد من هذه المصطلحات ميدانه الذي يستقر عليه والمسار الذي يتحرك فيه مبتدأ ومنتهى.
وواحدة من مهيئات ولادة المصطلح التماشي مع متغيرات العالم والوجود والكينونة، بما يمنح الناقد روحا منفتحة تتفاعل بشكل بناء مع منظومة المصطلحات التي لها صلة قريبة أو بعيدة بالمصطلح الذي يراد إنتاجه، حتى تغدو صناعته متساوقة مع تلك المنظومة انجذابا أو افتراقا.
 ومن أمثلة ذلك المصطلحات المنتجة في مرحلة ما بعد الكولونيالية كالتعدد والواحدية أو الاوالية والاندماج والتمكين والذات والآخر والمركز والهامش والاستشراق والهيمنة والتابع والنسوية والأبوية والبطريرياكية والجنسانية وغيرها من المصطلحات التي تنماز صناعتها بالانفتاح والتداخل تقاربا واختلافا متماسة مع مختلف حقول المعرفة.
ولعل الذي يؤهل النقد العربي الراهن لأن يصنع جهازه الاصطلاحي الخاص به مستضيئا  بالاصطلاحية الغربية هو التمتع بنزعة التفكير المنضبط والمؤسس على قاعدة فلسفية ذات مفاهيم وطروحات وأدبيات غير عائمة ولا اتساعية، ومبتدعة بثقة وقصدية.
وينبغي الحذر من الخلط بين المصطلحات بلا تحديدات ولا سياقات والسبب أن ذلك هو الذي يفضي إلى استفراغ حمولتي المفهوم والمصطلح معا. والمثال على ذلك مفهوم( التجييل) الذي أطلق أول الأمر كتوصيف لأدباء الحقبة الستينية ثم صار بمثابة مصطلح إبان حقبة التسعينيات وما بعدها وكان من تبعات هذا الخلط أن انبثقت عن التجييل تسميات جديدة استمدت اصطلاحيتها من اصطلاحية التجييل المغلوطة فكان النتاج هجينا بلا أفق نظري محدد ولا أساس من مفاهيم منظمة.
 ومما تناسل عن مفهوم التجييل من توصيفات ومقولات عدت مصطلحات وهي ليست كذلك: جيل الوقت الضائع والجبل السبعيني والثمانيني والتسعيني وجيل الريادة وما بعد الريادة وجيل ما بعد التغيير وشعراء اللحظة الحرجة والقطيعة الجديدة التي تداولها النقاد على المستويين الأكاديمي وغير الأكاديمي مع أنها تفتقر إلى الضابط التنظيري كأهم مهيئ من مهيئات الصناعة الاصطلاحية والذي من دونه تفقد صناعة الاصطلاح شرعية تبلورها.
وبالمقابل هناك مصطلحات منضبطة على المستوى الغربي منهجيا ونظريا لكنها سائبة وعائمية على مستوى النقد العربي فمصطلح التمثيل Representation  الذي اجترحه ادوارد سعيد ووظفه بمعنى التصوير والاحتجاج وتابعه عليه مفكرون وفلاسفة غربيون كان أن استعمله النقاد العرب لكنهم وظفوه بعائمية متعاملين معه كمفهوم لا كاصطلاح

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش