الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة في ديوان «سقط شيء من شيء» لمحمد القليني

تم نشره في الجمعة 18 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً

 إيهاب خليفة
عن سلسلة الإبداع الشعري بالهيئة المصرية العامة للكتاب صدر الديوان الثاني للشاعر/ محمد القليني «سقط شيء من شيء»، تلك السلسلة التي تشرف برئاسة الشاعر فتحي عبد السميع. يقع الديوان في مائة وسبع وثلاثين صفحة من القطع المتوسط، ويشتمل تسع قصائد كبرى أساسية تشكل تجربة طليعية.
في الديوان يحفر الشاعر محمد القليني عميقا في تربة الشعر، منتجا أثرا شعريا مغايرا ومغامرا جامعا بين متعة التلقي وطزاجة الطرح الجمالي الفلسفي، دونما إسراف في التجريد أو إغراق في التقعيد. تقوم التجربة في الديوان بمهمة إيقاظ الحواس؛ لترى هزائمها الداخلية، ولتبصر فداحة الواقع، حيث ذات شاعرة تتكئ على عالم ينهار تدريجيا. ومن خلال مقاربة أولية للديوان نجد أن السمات المائزة لهذه التجربة الشعرية المغامرة والمغايرة يمكن أن تتلخص في ثلاث تكئات أساسية:

 تشييد العوالم الإضافية:
لما كانت الذات الشاعرة غير الرسولية التي لا تمتلك يقينا أو تصورا ثابتا للوجود، أو للذات لما كانت تحيا تعاساتها الهائلة، فقد لجأ الشاعر إلى بناء عوالمه الافتراضية التي تتنامى ليأخذنا معه بعيدا عبر أساطيره الخاصة، وأكاذيبه الشعرية التي يدرك الوعي هشاشتها، ثم ما يلبث أن تقع الروح في محبتها، يتساءل القارئ : « ماذا لو تعاملت مع العالم من منظور الشاعر متحدا معه نابذا ذاتي  في هجرة الأنا إلى الآخر ؟!» في هذا المنحى تأتي افتتاحية الديوان المعنونة بقصائد الذكريات والتي تشتمل ثلاث قصائد عناوينها (جنون – بيانو – الذكريات الجميلة)، لتقدم أول العوالم الافتراضية حيث يجد القارئ مأساة الذكريات اللقيطة التي لا تعرف طريقها إلى ذوات أصحابها :(«أوتوبيس النقل العام /لا يقل الذكريات»/قال الكمساري هذه العبارة/لذكرى تحاول اللحاق بالأتوبيس/بكت الذكرى في منتصف الشارع/كادت السيارات أن تدوسها/فسحبها شيخ إلى الرصيف/وسألها : لماذا تبكين أيتها الذكرى؟/قالت : أنا تائهة/سقطت من رأس صاحبي/و لا أعرف عنوانه لأعود إليه).
هنا تتخلق ذكريات كبشر منفصمة عن أصحابها، ذكريات لقيطة هي عالمنا الحبيس في الوعي لكن الشاعر يطلقها إلى العالم لتحيا وتتعذب بحنينها الجارف إلى إعادة استيطان الوعي من جديد، حيث عبثية العالم تتنامى لتطال الذكريات ولتسمح لها بالتنقل من وعي إلى آخر في حركة حرة، لنجد أشخاصا يحيون بذكريات غيرهم، ملتصقين بحيوات لم يعيشوها مطلقا، وآخرين مفرغي البال، لا ماضي لهم ولا حنين يربطهم بمكان أو زمان؛ فتصبح المصائر أكثر تعقيدا وسوريالية .
(ذات ليلة باردة سقطت ذكرى/من رأس رجل يقود سيارة/كانت الذكرة نظرة حب/ودع بها طفله النائم/ظلت الذكرى ترتجف في الشارع /حتى شاهدت امرأة/طلقها زوجا لأنها عاقر/قفزت الذكرى في رأس المرأة/بحثا عن الدفء الذي فقدته/عادت المرأة إلى بيتها/وفي يدها قطار يسير على قضبان بلاستيكية/ ونادت بشوق : استيقظ يا طفلي الجميل/لقد عادت ماما/ومعه هدية).
وفي «بيانو» نجد محاولة مضادة في التخلص العمدي من الذكريات وذلك باصطناع أكذوبة خروج الذكريات في نزهة بعيدا عن ذات صاحبها المتآمر عليها، هنا تتقمص الذات روحا شيطانية بل تتخلق مجرما يخطط بدهاء لاغتيال ذكرياته، مجرما ساذجا بعض الشيء في ظنه إن إفراغ الوعي من آلامه ومآسيه سيكون سهلا، لكنه يكتشف أن سيمفونية الحياة المتمثلة في العلاقة الجدلية بين أصابع البيانو البيضاء والسوداء لا تتم بأصابع البيانو البيضاء وحدها،إذ كما يعجز البيانو في تقديم لحن معتمدا على لون واحد من الأصابع ، ستصبح الحياة ميتة رتيبة إذا سارت في طريق واحد من السعادة وبلا منغصات، في نص بيانو يتبدى ملمح الأنا القانعة بقدرها ونصيبها وهو ملمح سيتم تثوره في الديوان :(جلست ذكرى مقتل صديقي في ثورة يناير/على مقعد القيادة/ وإلى جوارها جلست ذكرى وداعي لحبيبتي/انطلق بالسيارة وهن يغنين/ لوحت لهن مبتسما وأنا أشكر الله/إذ لم يلاحظن أني قطعت فرامل السيارة/و أن صور أجسادهن المتفحمة /سوف تملأ غدا صفحات الحوادث).

 تثوير مفهوم الشعر والشعرية:
قضية استحوذت على مساحة هائلة من الديوان، يطرح الشاعر قضية الشعر بوصفه إبداعا يستعصي على التأطير، بوصفه مفهوما مضادا للمفهوم، مفهوما متغير الدلالات من شخص لآخر حتى لا نكاد نجد اتفاقا واحدا على تعريفه، أركانه،حدوده، موسيقاه،غاياته!
قصائد كثيرة لامست هذا المنحى منها القصيدة التي يحمل الديوان عنوانها «سقط شيء من شيء» ومنها قصائد «شارع مهجور –قصائد تدور على حل شعرها – مشاعر –قصائد تتعارك، من ستمسك نهدي الورقة أولا!» وغيرها، هنا يتبدى لي أن الشاعر يريد الخلاص للشعر كأملٍ في خلاص للذات المحبطة، يريد أن ينقذ الحبر من هيمنة السدنة، وحراس اللغة المزعومين، طارحا مفهومه الخاص في غير افتئات، فهو بوصفه شاعرا ثائرا يبدأ من حيث لا شيء قبله، لتصبح ثورته في الكتابة بديله الوحيد ليعوض خسائره في الواقع، فهو ابن جيل طعن غدرا بتقويض هتافه وفي وأد حريته :(في الشعر الحديث/يشترك القارئ مع الشاعر/في كتابة القصيدة).
(أنا أكتب قصيدة بسيطة وشفاهية/قصيدة تنام على الأرصفة مع البوابين/وتأكل الفول كل صباح/وتهرب من الكمساري آخر الشهر) إلى أن يقول:(تقولون إنه عليّ أن أجرب كتابة قصيدة/ترتدي حلة وربطة عنق/وتأكل على مائدة أساتذة الجامعات بالشوكة/و السكين).

 ذوات الفوبيا:
الذات الشاعرة مريضة بهواجسها الافتراضية، تبني وجودا كارثيا لأوهام تتنامى بلا توقف تثقل الذات بمرارات لا حد لها، حتى نرى الشاعر محمد القليني جيدا يجب أن نراه كشخص متخم بتيار وعي متدفق بلا انقطاع تناوشه ذكريات تمارس ساديتها وحينما تكف تتنامي في المقابل أوهام أخرى تقصيه عن الواقع تعاطيا مرضيا، فهو ذاتٌ : الأوهامُ من أمامها والذكريات من ورائها ، وتجسد قصيدة « سرق هاتفي «ص 62 مأساة هذه الذات التي تتعاطي الأوهام صانعة تراجيديا معاصرة من فقد الهاتف:
(سرق هاتفي المحمول/هذا خبر سيء جدا/فالهاتف سيرشد السارق إلى تفاصيل/لا أحب أن يعرفها عن حياتي) ويقول:(أيضا التاريخ الذي لا أضبطه مطلقا/سيخبره أنني
أعيش في زمان آخر/و موديل الجهاز القديم/سيخبره أنني شخص/انتهت فترة صلاحيته).
وتعد تجربة الشاعر محمد القليني تجربة ذات بصمة خاصة، تقدم شاعرا يملأ فراغ الساحة الشعرية المصرية بنصوص قادرة على المكوث في الأرض، محدثة وعيا مضادا، وهي عالم إضافي آسر الجمال لشاعر يحوز ككاهن سرا من أسرار الشعر.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش