الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لماذا ربيعنا الأردني مختلف؟

تم نشره في الأربعاء 16 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً

جهاد المومني

لم يكن الحراك الاحتجاجي الاردني في يوم من الايام محنة الدولة قبل بداية الربيع العربي بسنوات،ولذلك لم تعمل الدولة بغير ادواتها ( الناعمة ) المعروفة لإخماده في اي مرحلة حتى عندما خرج عن سياق المطالبة بالاصلاح الشامل ومحاربة الفساد وتغيير النهج وتكريس قيم العدالة والنزاهة في ادارة شؤون الدولة،وجميعها مطالب يتفق عليها الاردنيون ولا يمكن لجهة ان تدعي الفضل في رفع شعاراتها او قيادة الشارع من اجل تحقيقها،لا اليسار ولا اليمين ولا الوسط ولا شخصيات تصف نفسها بالمستقلة وتعتقد ان لها حضورها ومكانتها السياسية المؤثرة بين الناس.
الحراك كان مقبولا في شكله ومضمونه بالرغم من بعض المنغصات التي اعترت مسيرته السلمية التي تميزت بالحكمة والحرص والوطنية، ذلك ان البعض حاول ركوب موجة الاحتجاج لصناعة شهرته الشخصية على حساب الاردنيين ومن رصيد حراكهم الذي باركه جلالة الملك في بادرة لم تعرفها اي دولة من دول الربيع العربي، فليس عاديا ان يؤيد زعيم دولة حراكا يطالبه بالاصلاح والتغيير ويرفع شعارات بعضها تجاوز حدود ما تسمح به الدول والانظمة الحاكمة، فكيف اذا حدث ذلك في منطقة عربية مشتعلة اسقطت فيها الحراكات الشعبية اربعة انظمة (تونس ومصر وليبيا واليمن ) واشعلت النار في ثوب نظام آخر ( سوريا )..!
لم يكن سهلا على اي نظام سياسي ان يجازف بالقدر الكبير من التسامح الذي تعامل به الاردن مع المحتجين، طفرة كانت ام حسن تدبير ام مجرد تكتيك،كل هذه الاوصاف غير مهمة، المهم ان الاردن - دون غيره من بلدان الربيع العربي - دخل نفق الحراك وخرج منه بأحسن النتائج، فقد تحققت الكثير من الاصلاحات ليس اهمها التعديلات الدستورية ولا انشاء الهيئة المستقلة للانتخاب والمحكمة الدستورية، وانما ما طرأ من تغيير على شخصية الاردني وطريقة تفكيره ونظرته تجاه دولته ونظامه السياسي، فهو اليوم لم يعد اسيرا لاعتقادات قديمة وتقاليد مواطنة مترددة وخائفة بأن عليه ان يقبل بالامر الواقع، لقد صقل الحراك وطريقة تعامل الدولة الاردنية معه شخصية اردنية جديدة متوازنة في حكمها على الدولة والنظام غير انتهازية في التصرف حتى عندما تسنح الفرص للاحتجاج ورفع الشعارات والهتاف، ولم يعد الهجوم على النظام والحكومات والقرارات والدولة ومؤسساتها فرصة يتحينها من شاء وفق اهوائه، لقد اصبح للاحتجاج سقف مقبول لا تقرره الجهات الامنية وقوانين الحكومات وامزجة المسؤولين،وانما يقررها الاردني نفسه منطلقا من ضرورة واهمية الاحتجاج، لكنه ايضا يضيف إلى هذا المعطى الاساسي حرصة على بلده وعلى كل منجز تحقق، ثم ثبت بما لا مجال للشك فيه ان الاردني احرص ما يكون على نظامه السياسي وعلى العرش الهاشمي في حكم الاردن ليس من قبيل الولاء الاعمى،ولا لان الاردني يقارن نظامه بغيره من الانظمة فيجد نفسه محظوظا،وانما لان الاردني يعيش فعلا لا قولا في اطارعلاقة فريدة بين حاكم ومواطن ويدرك بالبراهين والشواهد ان ليس في بلده ملك همه الجلوس على عرشه الوثير فيأتيه الشعراء والوعاظ يلقون بين يديه القصائد والمدائح.
في الاردن ملك بوظيفة مرهقة واسعة المهام والواجبات، فهو السفير في الخارج والمراقب في الداخل، موظف ميداني لا يكتفي بالتوجيهات واصدار الاوامر بالتاشير بيديه وبين اصابعه السيجار،جندي لا يكتفي ولا يقبل بتعليق الرتب والنياشين كي يتلمسها كبار الضباط ويتبركون منها، بل يركض مع العسكر ويشاركهم التمرين الصباحي ووجبة الافطار المتواضعة في الخامسة والنصف فجرا.
ما اردت قوله ان في بلدنا ملكا ميدانيا ولولا تقاليد الملكية والدستور وبروتوكولات الحكم لكان لقب رئيس الوزراء اقرب الى وصف الملك عبدالله ابن الحسين بالنظر الى ما يؤدي من مهام على الصعيدين الداخلي والخارجي في تناغم فريد يؤتي ثماره دائما ويعود بالنفع على الاردنيين وبلدهم، ولعل هذا هو سر الخلطة الاردنية التي تجعل من الاردني معاتبا وغاضبا بل ومحتجا اذا شعر بالتقصير والظلم، فالحكم تاريخيا مدرسته في التسامح، والملك معلمه في رفض التقصير، وعندما يغضب الاردني ويبلغ الاحتجاج عنده ذروته تجده يستشهد باقوال او افعال الملك كي يبرر غضبه واحتجاجه.
حدثت في حراك الربيع الاردني بعض التجاوزات، لكن لم تعلق المشانق ولم تدوي صرخات المعذبين في اقبية السجون، حدثت بعض الاعتقالات انتهت بالتحقيق واغلاق الملف على عتب متبادل بين الضابط المحقق والمطلوب، فخرج الأخير حرا ونادما ،وفي (حراك ارتفاع الاسعار) حدثت المشاهد نفسها التي سبق ورأيناها في سنوات الربيع الاردني في شارع الملك طلال وساحة المسجد الحسيني وساحة النخيل،ولكن على غير المعتاد يظهر اختلاف في الحراك المناهض للقرارات الاقتصادية الجديدة، فمن ناحية ينكمش الحراك ليصبح مناطقيا أكثر منه وطنيا شاملا على عكس ما كان عليه الحال في حراك الربيع الاردني،ومن ناحية ثانية ظهرت في هذا الحراك مستويات عالية من التطفل الفردي والتدخل لتحقيق مكاسب شخصية، وتمثل هذا التطفل في محاولات البعض زج انفسهم في الصفوف الاولى والامساك بالميكروفونات لكيل الشتائم باسم المحتجين، وفي ادارة الزعامات التقليدية المعروفة ظهورهم للدولة والتنصل من التزاماتهم تجاهها، حتى ان بعض كبار المسؤولين المتقاعدين برروا للدول العربية الغنية عدم مساعدتها للاردن..!
الاردنيون لم يكونوا متفقين على ضرورة الحراك الاخير، وهم ايضا لم يتفقوا على مبرراته واسبابه خاصة وان ازمة الاردن الاقتصادية تشكلت اساسا بعامل خارجي ومحاولات واضحة لاركاع الاردن واجباره على قرارات سياسية تتعلق بما تعرف بصفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية،ولذلك لم يحظ هذا الحراك بشعبية عند الغالبية العظمى من الاردنيين،من هنا اسباب العصبية التي اصابت وظهرت على خطابات بعض قيادات هذا الحراك بل وحتى على بعض من ركبوا موجته، ومن هنا ايضا رفع سقف الهتاف والشعارات واقحام الملك في الامر وتحميله مسؤولية قرارات تخص الحكومة، تطاول البعض ولم يترددوا في استغلال الحراك شعبويا لغايات شخصية تخصهم وفرصة للانتقام اما بسبب اقالة من منصب او بسبب تهميش او لغايات التلميع والتذكير او لاي سبب شخصي آخر،ولعل الاغلبية من الحراكيين ادركوا ذلك فتغير الموقف من الزعماء الدخلاء وتعرض بعضهم للطرد من ساحات الاحتجاج وبعضهم الآخر جرى اسكاته عندما تعرض لجلالة الملك او تجاوز حدود ما هو متفق عليه،ومع تزايد عدد الذين تجاوزوا السقوف المسموحة في الاحتجاجات لم تتحرك الدولة بهراوتها لاسكات الناس ومنعهم من الاعتصام والاحتجاج ولم تضرب بيد من حديد كما طالب البعض،بل اقدمت على اعتقال بعض الاشخاص ممن اعتبروا شعبيا وبرلمانيا واعلاميا مسيئين تسببوا جراء تهورهم في اخماد جذوة الحراك وتراجعه قبل ان يحقق اهدافه ويجبر الحكومات على التراجع عن قراراتها الاقتصادية، وحدث ان اعدادا كبيرة من الحراكيين الذين تحمسوا للهتاف منددين بقرارات الحكومة عزفوا عن الخروج في الاحتجاجات بعد ان تغيرت الاهداف وصارت ساحات الاحتجاج منصة لاستغلال الظروف بالتطاول على جلالة الملك لاهداف لا علاقة لها بارتفاع الاسعار ومعاناة الناس الاقتصادية.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش