الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رواية النهوض الفلسطيني

حمادة فراعنة

الأحد 29 نيسان / أبريل 2018.
عدد المقالات: 442

منذ أكثر من مائة عام، والصراع الفلسطيني الاسرائيلي يقوم على مفردتين هما: الأرض والبشر، وطرفي الصراع، كل من جانبه متمسك بأسنانه بالأرض الفلسطينية وبالعامل السكاني الذي يحدد مصيرها ومستقبلها.
 من جهته سعى المشروع الاستعماري التوسعي الاسرائيلي الى احتلال كامل خارطة فلسطين وجعلها خالية من كل شعبها بطردهم والعمل على ترحيلهم، وقد نجح المشروع الصهيوني الاسرائيلي اليهودي، في انجاز هدفه الأول المتمثل باحتلال كل الأرض الفلسطينية، خلال عشرات السنين بشكل تدريجي متعدد المراحل وتوطينها بالمهاجرين الأجانب، ولكنه رغم تفوقه مسنوداً بعوامل الدعم الخارجية، فشل في طرد كل الشعب الفلسطيني عن أرضه، مع أنه ارتكب كل جرائم القتل والارهاب والتصفيات والتجويع والحصار والابعاد، وجعل الأرض الفلسطينية طاردة لأهلها، وأسباب فشله تعود الى عاملين :
العامل الأول وصفه مؤتمر هرتسيليا الأمني السياسي السنوي في احدى حلقاته، وعبر قراءة قدمها أحد الخبراء الأمنيين الاستراتيجيين عندهم بقوله: لقد ارتكبت الصهيونية في تاريخها ثلاث حماقات استراتيجية، حالت دون تنفيذ كامل برنامجها في اقامة الدولة اليهودية على كامل أرض اسرائيل:
فشل الصهيونية في طرد الفلسطينيين
والحماقة الأولى تمثلت بسماحها عام 1948 بقاء 150 الف عربي فلسطيني في مناطق 48، في الجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل المختلطة، تحولوا اليوم الى ثقل سكاني بعددهم الذي يقف على أعتاب مليون ونصف المليون نسمة يشكلون خُمس سكان المستعمرة الاسرائيلية، وشوكة في حلق المشروع الصهيوني غير قادرين على طردهم، أو التخلص منهم .
والحماقة الثانية أنها لم تقترف عام 1967 ما سبق وفعلته عام 1948 من مذابح وطرد جماعي وترحيل قسري، فحافظ أغلبية سكان الضفة الفلسطينية والقدس وقطاع غزة على وجودهم وبقائهم على أرض فلسطين، وشكلوا الجسم الفلسطيني الأول والأقوى في مواجهة المشروع الاستعماري الاسرائيلي، من حيث عددهم الذي يتجاوز المليونين ونصف المليون نسمة، يشكلون حائط الصد الأول في الدفاع عن المشروع الوطني الديمقراطي الفلسطيني، في مواجهة المشروع الاستعماري التوسعي الاسرائيلي، واحباط أهدافه العدوانية الاستعمارية، وفي العمل والنضال لاستعادة حقوق الشعب الفلسطيني.
أما الحماقة الثالثة فهي السماح لأول مرة بعودة أكثر من ثلاثمائة الف عربي فلسطيني الى وطنهم مع الرئيس الراحل ياسر عرفات، خلال السنوات الخمس الأولى من عام 1994 حتى عام 1999، على أثر التوقيع على اتفاق أوسلو في أيلول 1993، مما أوقف رحيل الفلسطينيين، وزاد من عددهم على أرض وطنهم.
أما العامل الثاني لفشل المشروع الاستعماري التوسعي الاسرائيلي، في طرد وترحيل كامل الشعب الفلسطيني، فيعود الى اصرار الشعب الفلسطيني التمسك بأرضه ووطنه، ورفضه الرحيل وتحمله سوء العذاب والحكم العسكري، وحصيلة ذلك بقاء وصمود أكثر من ستة ملايين عربي فلسطيني يعيشون اليوم على أرضهم في ظل الاحتلال وتصنيفاته المتعددة، والاصرار على عدم تكرار تجربتي 48 و 67، وما سبباه من رحيل وتشرد.

احتلال فلسطين
ولكن مقابل فشل المشروع الاستعماري الأحلالي الصهيوني في طرد الفلسطينيين عن وطنهم الذي لا وطن لهم سواه، نجح المشروع الاستعماري الصهيوني في احتلال كامل أرض فلسطين، خلال عشرات السنين على دفعات متقطعة منهجية، ويعود هذا الى مجموعة عوامل يقف في طليعتها : 
أولاً : مبادراتها الذاتية، وأدواتها المتعددة، وقدراتها على الحركة، وامتلاكها أدوات عصرية من العمل التنظيمي والعسكري والاستخباري، واختراقها لصفوف أصدقائها ودفعهم نحو الاستجابة لتنفيذ أهدافها وتسهيلها، واختراق صفوف أعدائها وتعطيلهم، وازالة معيقات برامجها وتوفير فرص تنفيذها.
ثانياً : دعم واسناد المجتمع الأوروبي بأغلبه لمشروع قيام مستعمرة اسرائيلية على أرض فلسطين، لسببين أولهما أن مصالح الاستعمار الأوروبي تماثلت مع مصلحة الحركة الصهيونية في استعمار فلسطين، فعملوا على توفير عوامل نجاح استعمار فلسطين وتوطين الأجانب على أرضها، تمهيداً لولادة المستعمرة اليهودية الاسرائيلية، وثانيها تجاوبا مع التعاطف الدولي مع معاناة اليهود على يد النازية والفاشية، فعملوا على نقل اليهود الى فلسطين، وسهلوا للمشروع الصهيوني نجاح تنظيم مخططه الاستعماري التوسعي على حساب الشعب العربي الفلسطيني بدون أي اعتبار لمعاناة هذا الشعب وعذاباته وخاصة من قبل البلدان الأوروبية الثلاثة التي ساهمت بشكل رئيس في صنع المستعمرة الاسرائيلية وهي بريطانيا بقراراتها واجراءاتها، وفرنسا بأسلحتها، والمانيا بتعويضاتها المالية.
 وتم ذلك قبل أن تتقدم الولايات المتحدة الأميركية لتتبنى المشروع الاستعماري التوسعي الاسرائيلي بالكامل وتوفر له أسباب القوة والتفوق البشري والسياسي والاقتصادي والعسكري والتكنولوجي والاستخباري مثلما توفر له الغطاء الدبلوماسي والحماية من التعرض للمساءلة القانونية الدولية، وعدم محاسبته.
ثالثاً : ضعف النظام العربي، بالنظر لكونه كان يئن تحت رحمة الاستعمار الأوروبي ونفوذه متعدد الجنسيات، وعدم قدرته على توفير مظلة دعم واسناد للشعب الفلسطيني، اضافة الى تمزق الحركة السياسية الفلسطينية وتعدد مرجعياتها وغياب قيادة موحدة لادارتها.
النكبة : التبديد والتمزيق والبعثرة
تعرض الشعب الفلسطيني لظروف قاسية صعبة، على أثر احتلال الجزء الأكبر من فلسطين، حيث أقيمت الدولة العبرية على 78 بالمائة من خارطة فلسطين، بما يزيد عن 54 بالمائة وفق ما أُعطي لها حسب قرار التقسيم 181، ومع ذلك حظيت بالاعتراف الدولي، كدولة مستقلة، تم قبول عضويتها بالأمم المتحدة بشروط أعلنت الموافقة عليها وهي قبولها بقراري الأمم المتحدة 181 و 194، ولكنها لم تنفذها وعملت على نقيضها، مقابل ذلك تعرض الشعب الفلسطيني الى فقدان تماسكه، وتمزيق أرضه الى ثلاثة كيانات سياسية هي : 1 – مناطق 48 التي أقيم عليها مستعمرة الدولة العبرية، 2- الضفة الفلسطينية والقدس اللتان أُلحقتا بالمملكة الأردنية الهاشمية3- قطاع غزة الذي أُتبع للوصاية والحكم العسكري المصري، وهكذا تمزقت أرض الفلسطينيين وتبددت هويتهم الوطنية، وبات أغلبهم فقراء مشردين يتطلعون الى لقمة العيش الكريم ومساعدات وكالة الغوث، والذين بقوا في مناطق 48 تعرضوا الى أسوأ معاملات الحكم العسكري والتجويع الانساني والحصار المعيشي، وبذلك تحولت القضية الفلسطينية من عنوان سياسي لشعب يستحق الهوية والسيادة والكرامة، الى قضية انسانية لشعب يحتاج للمساعدات المعيشية والصحية والتعليمية، بلا قيادة وبلا هدف مركزي، وبلا حراك سياسي موحد.
ولكن من رحم الجوع والتمزق والتبديد، خرجت طلائع صغيرة متواضعة مستلهمة حراكات الشعوب نحو الحرية والاستقلال، من فيتنام شرقاً الى الجزائر غرباً وحتى الى كوبا وتجربتها الفريدة، دفعت الطلائع الشابة من الفلسطينيين تستلهم تلك التجارب، بعد أن وقعت اتجاهات فلسطينية تحت أسر التباينات السياسية العقائدية، فمنهم من رأى أن الوحدة العربية هي طريق تحرير فلسطين عبر حزب البعث وحركة القوميين العرب، ومنهم من رأى أن الشيوعية والاشتراكية هي السند الأقوى للانتصار والتحرير كما سارت على الدرب شعوب عديدة، ومنهم من رأى أن دولة الخلافة الاسلامية ووحدة المسلمين عبر الاخوان المسلمين وحزب التحرير هي الملاذ، والقلة منهم رأى أن هويته الوطنية الفلسطينية هي العنوان وهي الهدف بعيداً عن الصراعات العقائدية والتباينات الفكرية، ووجدوا أن المدارس السياسية الثلاث : القومية واليسارية والاسلامية ليست الطريق، بل وحدة الفلسطينيين وهويتهم وبناء مؤسساتهم الوطنية الخاصة بهم، وهكذا شق هؤلاء طريقهم، وحققوا النجاحات التراكمية حتى بات أصحاب المدرسة الوطنية هم العنوان الأبرز، خاصة بعد مبادرة عبد الناصر بالدعوة لتشكيل منظمة التحرير، والتي باتت العنوان والجبهة الموحدة، وهي الأداة التمثيلية، والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
 
h.faraneh@yahoo.com
 *كاتب سياسي مختص بالشؤون الفلسطينية والاسرائيلية

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش