الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قيم الفن ومواجهة التطرف (رؤية وتجربة)

تم نشره في الجمعة 27 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً
غدير سعيد حدادين

عبر تاريخ البشرية الطويل يدور الصراع ما بين قيم الخير والعدالة والحياة ووحدة المجتمع من جانب، وظواهر التمزق والتدمير والوحشية من جانب آخر.
غير أن رسالة الأديان هي في جوهرها العميق أن يكون الإنسان حرّاً، وأن يدرك نِعم الله عليه، وأن يحترم ما أعطاه الخالق من عقل وإدراك.
فالله هو الجمال والكمال والتكامل والاكتمال، وذلك هو المبتدأ وخط الانطلاق. أما تجربة الإنسان ففيها الخبر اليقين، وحيث يتكامل ويتفاعل ويتوحَّد يبدع، وحيث ينعزل ويقصى أو يقصي ذاته، فإنه يدمر أجمل ما لديه من حياة ومعنى أن يكون إنساناً وكائناً اجتماعياً عاقلاً مفكراً مبدعاً ومنتجاً لفعل الخيرية وإعمار الأرض.
منذ سنوات تعيش مجتمعاتنا العربية في دوامة من الاستنزاف والتشويه والقتل والتدمير، وهذا الواقع المروع يستدعي من النخب السياسية والثقافية والاجتماعية أن تنهض لكي تعيد للذات توازنها وللعقل مكانته العالية، فضلاً عن استعادة قيم التقدم والتحضّر والإبداع.
 منذ أن اشتعلت النار في مواقد الإنسان، راح يتأمل الوجود والتنوع، فأدهشه ذلك وأبدع رسوماته الأولى على كهوف الجدران، كان يحاول أن يوثق الجمال والفكرة للأجيال التي ستأتي ولو بعد آلاف السنين.
إن هذا الميل الفطري الغريزي في احترام الجمال هو التعبير عن الاستجابة العفوية في البداية لوعي ما أودع الله في الحياة على الأرض من تنوع هائل ومدهش؛ في التضاريس وفي الكائنات والأجناس بما لا حدود له.
وضمن هذا السياق، فإن الإسلام والأديان السماوية في جوهرها هي نقيض لكل  أشكال التطرف بما هو:  اتجاه عقلي وحالة نفسية تقوم على التعصب للجماعة أو الرأي أو المعتقد، ويقود إلى الكراهية التي تستند إلى حكم عام قائم على الجمود،  لهذا فإن التطرف هو حركة في حقيقتها تخالف سُنَّة الكون في التفاعل والتطور وضرورة التنوع، وتتجاوز الحدود التي وضعها ويرضاها المجتمع، فتنحرف عن العقلانية المطلوبة لمعايير التفكير والسلوك، إنها نوع من التمركز الجامد حول الذات لفرد أو مجموعة بما يدفع نحو الصدام مع المحيط الاجتماعي، وبما يؤدي إلى الانعزال أو الإقصاء، وفي حالات كثيرة ينتهي إلى العنف والإرهاب الفكري والاجتماعي.
إن حكمة السماء وجوهر رسالة الإسلام تتناقض تماماً وكل ما يوحي بالتطرف والانغلاق: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى? وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ? إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير) ... هذا ما يقوله الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، إنه لم يخاطب جماعة أو فئة بعينها بل يخاطب الناس أجمعين.
لهذا كان خلق الإنسان في تنوعه في اللون والجنس والشكل والتكوين، لكن الجوهر يظل واحداً أن يكون إنساناً.
من هنا ندرك فلسفة الفن في الإسلام كتجلٍّ لهذا الجمال، بما يتجاوزالمقاربات الضيقة والتفكير الساذج  نحو اكتشاف الجمال في الوجود، بما هو الجمال من روح وطبيعة وعلاقات وتكوينات. فالفن في الإسلام يحمل روح الدين وجوهره الجمالي والأخلاقي، ذلك لأن مرجعيته هي وعي الطبيعة، ووعي هندستها الكونية العميقة، وهذا ما نلاحظه في الآثار الحضارية الهائلة التي تركها لنا الإسلام في كل البلاد.
الجميل هنا أن الفن الإسلامي لم يلغ الخصوصية، ذلك لأنه في العمق والمرجعية فن إنساني شامل، فن تفاعلي وتكاملي، لم يدمِّر بل تكامل مع حكمة الوجود وحاجات الإنسان الروحية والوجدانية وحتى العقلية، ولهذا لم يكن غريبا أن تجد النقوش والخط العربي والتكوينات النباتية تزين المساجد والمقامات والمعابد والقصور، إذ لم يجد الإسلام تناقضاً في أن يجعل من معبد أو كنيسة بنيت ما قبل الإسلام أساساً ليضيف إليها أو يعطيها أبعاداً روحية جديدة.
بهذا المعنى لم يكن الفن الإسلامي انعزالياً أو فناً يقوم على القطع السلبي مع ما راكمته البشرية من كنوز حضارية، إنه لم يبدأ من الصفر، بل كان يُغني ويغتني ويكمل ويتكامل، مُضيفاً رؤيته وفلسفته الروحية في مختلف المجالات... ومن هنا نراه يأخذ من فنون الشعوب والأمم الأخرى، فيتفاعل ويندمج معها وينتج جماليات جديدة، هذا ما حصل مع الفن الإغريقي والبيزنطي والروماني والفارسي والهندي، وغيرها.
الفكرة هنا أن الفن في الإسلام كانت له إلى جانب الوظيفة الروحية والتعبدية وظيفة اجتماعية تقوم على التواصل ومخاطبة ذوق الإنسان مهما كان دينه ولغته ومعتقداته.
وهذا في العمق يعبر عن موقف عميق وحاسم ضد التطرف ومحاولة قطع علاقة الدين الإسلامي مع محيطه الإنساني الشاسع.
وإذا ما تتبعنا سياقات التطور والتفاعل لهذا الفن سنلاحظ بسهولة كم هو متنوع وممتد وشامل: من المعمار إلى النقش إلى الخط إلى الموسيقى والشعر والرسم وكل مناحي الإبداع الأدبي، بما يعبر عن محاولات لا تتوقف من أجل الوصول إلى ذروة التناغم والهارموني ما بين جوهر الإيمان والتوحيد وتجليات ذلك في الممارسة والعلاقات الإنسانية وطريقة عيشه، سواء في الطبيعة أو في الفضاء المكاني الذي يشغله إنْ كان مسجداً أو بيتاً أو مدينةً أو سوقاً أو باحةً أو حديقةً.
إنني أنا العربية الأردنية المسيحية «غدير حدادين» لا أجد نفسي خارج هذا الفضاء، إنه مكون من تاريخي وحضاري ونفسي أصيل مني ومن هويتي الحضارية.
شاعرة وفنانة تشكيلية

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش