الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تعليم كتابة الرواية

تم نشره في الجمعة 20 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً
  • محمد-القواسمة.jpeg

 د. محمد عبدالله القواسمة
يُعلن من وقت لآخر عن إقامة ورشات لتعليم كتابة الرواية للكتاب المبتدئين، أو الراغبين في أن يصبحوا روائيين. وعادة يقوم بالتدريس في هذه الورشات نقاد أو روائيون معروفون. ويتم فيها التعريف بفن الرواية، وبيان كيفية ولوج عالم إبداعها، وطرائق كتاباتها.
في العادة، ينصب اهتمام هذه الورشات على الرواية دون غيرها من الأجناس الكتابية؛ لأنها أقدر الفنون على التعبير عن هذا العصر، وما يمور فيه من صراع، وحركة، وتطور في جميع مناحي الحياة، حتى غدت أهم من الشعر وغيره من الفنون، وأقبل من هب ودب على خوض غمارها، وخاصة بعد أن خُصصت لها الجوائز القيمة.
مثل هذه الورشات لم يعرفها العرب في العصور القديمة، وإن عرفوا نوعًا من الحلقات التعليمية التي كان يُقَدِّم فيها من يسمى المؤدب نصائح في تبيان أساليب الكتابة والبلاغة، كما ورد في صحيفة بشر بن المعتمر(ت210هـ) التي يوضح فيها ما يجب على المؤدب أن يُعلّمه لتلاميذه من تخير وقت الكتابة، وعدم التوعر في القول، وملاءمة الكلام لأحوال المخاطبين، وغير ذلك مما يلزم كتابة الخطبة والرسالة. أما الشعر فلم يعرف أن خُصّصت صحف في تعليم كتابته؛ ربما لأنه وليد السليقة والعاطفة، بخلاف النثر وليد التروي والعقل. 
تطرح ورشات كتابة الرواية أسئلة مهمة، منها: ما أهميتها للكاتب المبتدئ؟ ما ضرورتها لمن يرغب في أن يكون روائيًا؟ هل تنجح في جعل من يشارك فيها كاتبًا بارعًا؟ أو باختصار، هل الرواية فن يمكن أن يبدعه إنسان عن طريق التعليم؟
لا شك أن ورشات تعليم كتابة الرواية مفيدة في الاطلاع على فن الرواية، ومعرفة مكوناتها وتقنياتها، وأساليب كتابتها، كما أنها مفيدة في التعرف إلى أهم كُتّابها، ومعايشة تجاربهم، وخبراتهم في الحياة، وإدراك ما يعانونه في صناعة عوالمهم التخييلية. هذه الإيجابيات كلها، ربما تفتح الآفاق لكتابة الرواية، أو تسهل الطريق إلى كتابتها، أو تضفي مزيدًا من التجويد عليها، لكنها لا يمكن أن تكون كافية لإنتاج رواية متميزة. لأن الإبداع لا يقوم على المعرفة وحدها بل على الموهبة التي يرافقها التدريب والممارسة. لم يتعلم شكسبير كتابة المسرحية، ولم يتعلم تشيخوف كتابة القصة القصيرة، ولم يتعلم ماركيز كتابة الرواية، بل إن كثيرًا من الروائيين لم ينالوا قسطًا وافرًا من التعليم، ولم يتلقوا دروسًا في كتابة الرواية. فعلى سبيل المثال، لم يدرس حنا مينا الروائي المعروف فن الرواية في جامعة بل إنه لم يتخط المرحلة الابتدائية في الدراسة، وإبراهيم أصلان الروائي الذي كتب روايات كثيرة تحولت إلى أفلام سينمائية لم ينل أي شهادة مدرسية، وتخرج في مدرسة لتعليم السجّاد. وكذلك الروائي الأمريكي المشهور إرنست هيمنغواي لم ينل غير الشهادة الثانوية العامة، ورفض الالتحاق بالجامعة. 
كثيرًا ما أُسأل، مثل غيري ممن ابتلوا بكتابة الرواية، كيف أصبحت روائيًّا؛ فأجيب بأني لا أملك وصفات سحرية لذلك، وإن كنت على اطلاع بمكونات الرواية، وتقنياتها، ودروبها الكثيرة، فلا أقول إلّا أن على من يريد أن يكون روائيًّا أن يكتب، ثم يمزق ما كتبه إلى أن يصل إلى مرحلة يطمئن فيها إلى جودة ما كتب، ويجد نفسه راضيًا عنه، وغير محتمل نفسيًّا تمزيقه. عندئذ يكون قد تعرف أبعاد موهبته، وأصبح على عتبة الإبداع.
إن ورشات تعليم الكتابة الروائية ــ كما أرى ــ لا يمكن أن تصنع روائيًا؛ فلا بد من الاستعداد الفطري، أو ما اصطلح على تسميته الموهبة، إلى جانب التدريب والممارسة. فالنصيحة لمن يريد أن يكون روائيًّا هي أن يكتب ويكتب. فاذا توفرت له الموهبة فلن يقف أمام نجاحه عائق، هذا ما حدث لأغلب الروائيين والكتاب.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش