الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نريد نهراً لمفتاح العشق...

رمزي الغزوي

الخميس 19 نيسان / أبريل 2018.
عدد المقالات: 1708


لن أسامح كلَّ من خطط وقرّر أن يطمسَ نهر مدينتنا الخالد. فهل من أحد عاقل، في صدره فؤاد ينبض، يدرك معنى الماء، ودفق الحياة، يسقف نهراً يمخر قلب مدينة بهية جميلة كعمان؟ كيف سولت له نفسه أن يحيل ذلك النهر إلى شارع مسقوف بالإسفلت؛ لتخنقه مناهل المياه السوداء، وخطى النسيان الأليم.
ما زلت أرى أن المدن العظيمة، لا تقيمها الجسور المعلقة، ولا ترفعها الأبراج ماخرة الغيوم، وملامسة النجوم، المدن العظيمة لا تسيّر أعمالها الأنفاق والشوارع النظيفة اللامعة ذات البهجة، فحسب. المدن تحتاج إلى خيال خصب، جموح، طموح، يمازج واقعها.
فأي خيال ذلك الذي أمرهم أن يُطمس نهر المدينة ويستحيل إلى شارع مسقوف. أتنقصنا شوارع ودروب؟ المدن العظيمة تحتاج إلى خيال شاعر، حتى ولو لم يكتب شعراً، تحتاج شاعراً (ليؤنسن) فيها كل شيء: يؤنسن شجرها إن كان بها شجر، وأرصفتها وحدائقها وشوارعها. تحتاج شاعرا كان سيحافظ على نهرها، أو سيعيده إليها. المدن ثكلى بلا أنهار يا صاحبي. ثكلى وحزينة بائسة، وهي أيضا خيبة للعاشقين.
على أدراج عمان لمحت أقفالاً مثبتة على (الدربزين) الصاعد الطويل، أقفالا مكتوبا عليها حرفان صغيران لعاشقين ثبتا هذا الشيء رمزاً لثبات حب سيكبر ويكبر حتى يغدو جبلاً ثامناً لمدينتنا.
أقفال العشق هي عادة أوروبية، شاعت بعد الحرب العاليمة الأولى في مدن عديدة. يأتي العاشقان ويربطان عشقهما بقفل قوي، ثم يرميان المفتاح في بطن النهر الواسع؛ كي يدوم الحب ما دام ظل ضائعاً وغارقاً ذلك المفتاح.
أعرف أن للقفل رمزاً كبيراً وحضوراً واسعاً في عالم السحر القديم. وقرأت عن شعوب كثيرة استخدمته في مخيالها الشعبي؛ لتثبيت أو تحصين أو حماية من يحبون. ولكن لكل زمن دلالته، وحضوره، ورموزه. وعندما لمحت عاشقين يثبتان قفلاً في الدربزين، تمنيت لو أن لمدينتنا نهرا يبلتع المفتاح.
أعيد النهر إلى فكرته. الأمر ليس بتلك الصعوبة، فالماء الدافق من رأس العين ما زال يحفظ مجراه، مرورا بالرصيفة والزرقاء حتى مصبه في نهر الأردن. أعيدوا لنا نهرنا، إن لم يكن حباً لمدينة خنقها الأسمنت وعصرها الأسفلت، فلأجل عاشقين، لم يعرفا مستقرا يليق بمفتاح عشقهما إلا بطن نهر.
لو يؤول الأمر لي لأعدت النهر إلى مجراه، ولو كلفني أن أجرّ له الماء من الديسة أو الريشة، أو حتى من البحر البعيد. عمان مدينة لا تستقيم بلا نهر، هي مدينة لم يجعلها قابلة للحياة طيلة تاريخها العريق إلا النهر، والعاشقون الحقيقيون.  

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش