الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قـراءة نقدية في رواية «سيدات الحواس الخمس» لجلال بـرجس

تم نشره في الجمعة 13 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً

 إيمان الزيات/ ناقدة من مصر
هل يجب على المرء أن يموت أولاً ليعي وينتبه للحقائق التي لا مراء فيها؟
وإذا كنا بالفعل في حالة من حالات الموت المعنوي غارقين في احدى نوبات الغفلة البشرية، فهل يمكن أن نُبعث باليقظة في الحياة الدنيا إذا ما انتبهنا؟!
حالة من العصف الذهني ستصيب القارئ بعدما يفرغ من رواية (سيدات الحواس الخمس) للأديب الألمعي (جلال برجس)، حيث يجد برأسه مجموعة من الأسئلة التي تلح على عقله، وتفرض نفسها عليه، ليبحث لها عن إجابات مُرضية ومعقولة، ويتحرك صوب الحلول وفقاً للمعطيات التي تلقاها لتوه من الكاتب الذي كان أميناً في طرحه، رهيفاً في لغته، مجدداً في أسلوبه التقني.
لطالما كان «الخارق للواقع» أو أدب «الفانتاستيك» صنفاً من صنوف الأدب المعبرة وبامتياز عن القلق الوجودي، والانفصال النفسي الناتج عن تلك المتغيرات (الاجتماعية، والإقتصادية، والسياسية، والديموغرافية...) المتلاحقة. كما أنه يعد ذلك الأدب المعني بتقديم رؤية مختلفة عن حقيقة «الأنا» المتعارف عليها، سواءً كانت تلك الأنا «فردية» تمثل الشخوص، أم «جمعية» تمثل الأوطان.
لذلك فقد كان الصنف الأدبي الأنسب لاحتواء تلك الفكرة الروائية المائزة التي أشعلت حواس الأديب الأردني (جلال برجس) فراح يطلق نغمات نوتاته الفنية ويصهر أفكاره ورؤاه داخل بوتقته السردية، باعثاً لجمهور القراء برسالة تنبيه وتحذير من القادم، معتمداً على اختراق ما فوق الطبيعي لليومي الرتيب اختراقاً مدركاً بشكل حسي، حيث بطل الرواية الرئيس (سراج عز الدين) فناناً تشكيلياً من منطقة «اللويبدة» بعمان يتميز بحواس فائقة ولد بها، ابن وحيد  لأسرة متوسطة  لدى عائلها اتجاهات سياسية سمحة تبدو وسط سائر الاتجاهات الأخرى أنها طوباوية مثالية، غير قابلة للتطبيق الفعلي في ظل مساعي الفساد السائدة، حتى أنها أودت بحياة الوالد بعدما أورثها لابنه (سراج) وغرس فيه حب الوطن بكل تفاصيله فشب مفتتناً بتلك العقيدة، تماماً كما افتتن بحبيبته الأولى والوحيدة (ريفال) فتاة جميلة من أسرة بسيطة تلتقي بــ (سراج)، من خلال عملها الإعلامي وتتزوجه، ولكن طموحها الشاسع وخوفها من الحياة المعوزة يدفعانها لتركه والزواج بعدو والده الذي يقاربه في العمر (سليمان الطالع) ليؤمِّن لها قناة فضائية خاصة تحقق من خلالها طموحاتها واحلامها المهنية. (سليمان الطالع) هو المعادل الموضوعي للفساد الوطني بكل أشكاله.
اعتمد الكاتب في تشكيل شخصيته الرئيسة (سراج عز الدين) على ابتكاراته الوجدانية الخالصة، التي لا تنقل واقعها المأزوم من مستوياته الحقيقية بل من مستوى «الفانتازيا الداخلية» الذي يمكن أن تتحول فيه الشخصية بسهولة، وتتعدد، وتنقسم، وتتضاعف، وتمتزج بحواسها الخمس مع المادة أو العنصر البيئي المحيط بها سواءً كان (ملموساً أو محسوساً). فتدخل في تركيب العطر، وتحلل الضوء، و الصوت، واللون، وتترجم الملموسات وتتذوقها متكئة على خاصية (التراسل). وفي اطار تلك «الفانتازيا» أو أدب «الخارق للواقع» استحضر الكاتب بعض الثيمات كــــ(الاستحواذ، والجنون، والهلوسة، والأحلام...) وكل ما له علاقة بمنطقة اللاوعي وغير المدرك الإنساني، ليرسم ملامح الشخصية السيكلوجية من خلال تلك الأمور المتجذرة في العقل الباطن.
تتماهي في مخيلة البطل وتتداخل صورة  «الحبيبة» مع صورة «الوطن» حتى بدتا وكأنهما وجهان لعملة واحدة في هذا النص؛ فجمل السرد عن «الحبيبة» ترمز «للوطن» في كثير من الأحيان، وتعد إسقاطات مباشرة عليه.
يقول الكاتب على لسان (سراج):
« – أتعرفين؟ الحبيبة مدينة جميلة، والمدن الجميلات حبيبات جميلات، لذلك عندما يمد متنفّذ يده إلى جيب مدينة مثل «عمان» التي أحبها، كأنه يمد يده ويفك أزرار قميصك، ويخدش نهدكِ..».
كلاهما يعاني (سراج) في معيته، ويشعر نحوه بذلك الشعور الغريب والمتداخل والمتضاد بين العشق والمقت، الحاجة للدخول في حضنيهما، والرفض لتغيراتهما، الشعور بأنهما قد سلبتا منه وتم انتكاهما، وأنه لابد أن ينتقم لهما ومنهما، تلك المشاعر هي ما خلقت ذلك الانقسام النفسي بداخل البطل وجعلت منه شخصيتان احداهما (فناناً رهيفاً)، والآخر بدا كـ (قاتل وسفاح).
يقول الكاتب على لسان أبطاله:
« - أنا كندة يا سراج . كندة.
 - كلكن تحمل الصفات نفسها.
كان ينظر إلى عمان عبر نافذة الغرفة...»»
ويقول في موقع آخر من السرد:
«... وهو يردد في تلك المحاضرة (حواء وطن كبير)...»
لذلك ففي النهاية مات الجميع، وبقيت (ريفال) لما تمثله من رمز كبير هو رمز (الوطن/عمان)، أما ما تدمر فكان كل ما تمثله الشخوص الأخرى من رموز يمكن استبدالها مثل (الشرطة، والسياسيين، والإعلاميين، والمدراء، والفنانين،....)، أو تلك التي يمكن اعادة انتاجها مثل (سراج) الذي أعيد استحضاره في صورة (أحمد) الصغير المستنسخ روائياً من شكل البطل وله نفس قدراته، وصورة الفساد الذي أعيد انتاجه أيضاً في شخص (جعفر سليمان الطالع)، وتلك نظرة واقعية فلم يجعل الكاتب البقاء للخير وحده فإن هذا ليس صحيحاً في حقيقته فالخير والشر متجاوران إلى نهاية الدهر.
استعرض (برجس) من خلال موتيفاته الشخوصية مجموعة من الظواهر المجتمعية المستحدثة على المجتمع العماني، تلك الظواهر التي من شأنها أن تقوض أعمدة الوطن، كظاهرة (عصابات المافيا) التي اعتدت احداها على (كنان) حارس القصر لأنه لم يشأ كشاب نزيه أن ينجرف لتيارات (المخدرات، واللواط، والسرقة...)، وظاهرة الإفساد للسلطة (الرابعة) سلطة الصحافة والإعلام بشتى صوره ووسائله، متمثلة في (رعد عبد الجليل)، وفي (ريفال)، كما رصد شريحة المهمشين من خلال شخصة (صائد الثعالب) العجوز الذي راح ضحية الفساد في النهاية مخلفاً وراءه أسرة معوزة بلا بيت.
استخدم (جلال برجس) مجموعة من التقنيات الملائمة لشخصية (سراج) كـ «الكابوس» المتكرر وهو احدى دلائل ومتلازمات مرضه النفسي المتعارف عليه حيث يرى نفسه يقتل امرأة بسكين حاد ثم يبكي بمرارة، وعلى الأرجح أن تلك المرأة هي سيدة اللوحة التي آثر أن تكون على سقف غرفة نومه كي تقف كرقيب يعد عليه أنفاسه ويصيبه (بالعنة، والعجز الجنسي) إذا ما فكر في الاقتراب من امرأة غيرها، وكلاهما – امرأة الكابوس، وامرأة لوحة السقف- (ريفال) حبيبته وزوجته التي اقتنصها منه (سليمان الطالع) ذلك السياسي والإقتصادي الذي احتل بلده (عمان) بمشروعاته وصفقاته الفاسدة فوضع يده في جيوبها وجيوب مواطنيها فسرقها وسرقهم بطرق شرعية، كما احتل سريره واختطف زوجته عن طريق المحطة التليفزيونية التي أنشأها لها وتزوجها بشكل شرعي أيضاً حيث لا غبار عليه مجتمعياً في سرقتيه للوطن وللزوجة.
من المائز أيضاً تخصيص طقس خاص ومتكرر كـــ (حلاقة الذقن، والاغتسال، والتأنق، والتعطر...) ليمثل اللحظة الزمنية التي تتوارى فيها شخصية (سراج الحقيقية) مفسحة الطريق لتظهر تلك الشخصية التي تتلبسه حين يقابل ضحاياه. مستعيضاً عن الموسيقى التي عهدنا أن نسمعها في السينما في مثل تلك اللحظات.
كما كان (التعري، والاغتسال) ممارسات انفعالية ظاهرية تعكس رغبة الشخوص في التطهر والحرية أيا كان نوع الدنس أو القيد المكبِّل لها.
(السجائر، والكرسي الهزاز، ولغة الجسد كملامح الوجه، وحركات الأبدان) جميعها متلازمات ومفردات  تعكس الإنفعالات، والرغبات المكبوتة ومشاعر الدعس أو السحق أو الاحراق، وقد صاحبت بصفة عامة جل الشخصيات التي يستطيع المرء أن يحكم عليها من الجلسة الأولى، بيد أنها قد غابت مع شخصية واحدة هي شخصية (سراج) وذلك لأنه شخص غامض بطبيعته لا يبدي عادة انفعالاً ملحوظاً مما يدل على أنه يبطن أكثر مما يظهر، ويكبت مشاعره حتى لا يتعرى أمام الآخرين، وتلك هي سمات الشخصية المضطربة سيكلوجياً التي أجاد الكاتب صياغتها وصياغتهم نفسياً على هذا النحو.
أجاد (برجس) مسرحة «الفضاء المكاني» للرواية فخلق تلك المتعة المشهدية من خلال دقة التفاصيل وبراعة الترميز والاحالات، حيث شيّد لكل شخصية عوالمها المكانية الملائمة لها والمتماهية مع طبيعتها والمعبِّرة بكينونتها عن أغراض شخوصها، فسراج يسكن فيلا مجهزة بأجهزة استشعار وضبط (للصوت، والضوء، والحركة، والحرارة...) في منطقة منعزلة تطل على (اللويبدة) حيث يحب أن يكون لكنه لا يستطيع الانخراط في المكان، الطابق العلوي يضم كل أسرارة وذكرياته حيث توجد ست غرف لا يدخلها سواه، وحيث غرفة نومه التي رسم على سقفها لوحة غريبة تتماهى مع كابوسه الغريب الذي يراه كلما نام.
«نظر إلى السقف الذي رسمت على كامل مساحته لوحة، غلب اللون الأحمر عليها لامرأة شعرها مبعثر، وملابسها ممزقة كأن شيئاً غير اعتياديّ حدث لها...»
أما (سليمان الطالع) الذي يبلغ من العمر سبعين عاماً فقد شيد قصره بأسوار عالية على أرض مرتفعة استحوذ عليها فبات مسكنه كقلعة، أو كبرج مراقبة للبلد التي يعدها لتكون ملكاً خالصاً له.
مبنى «جاليري الحواس الخمس» تلك البناية الفنية المؤلفة من خمسة طوابق بجبل( اللويبدة) على هيئة امرأة تنظر إلى يديها الفارغتين، كل طابق يتميز بارتفاع ومساحة مضاعفين عما هو متعارف عليه في أي بناء، كما أنه مرتبط باحدى الحواس، يضم «الجاليري» مكتبة ومتحف ومقهى ومعاهد تعليمية، وكان من وجهة نظر (سراج) «لوحة الراعي الذي يحمل بندقية» ليخيف «الثعلب».
وليبعث بمرسلة مفادها كيف أن جسد الوطن/ الحبيبة ذلك الممتلئ  بالفن، و بالعبقرية، والجمال سيظل معدماً لا يملك شيئاً إذا لم يلتفت المجتمع بجميع طوائفه ومؤسساته إلى حقيقة دور المرأة،  يقول الكاتب على لسان بطله الرئيس:
«لكن لا تنسوا النساء فأجسادهن ليس للأسرة فقط، هن الشرفات والنوافذ والأبواب والماء والهواء، لا تحذفوا من اللبن خيره..».
ساعدت (الذاكرة الانتقائية) الكاتب على خلخلة الزمن وتكسير حلقاته الطبيعية، وخلق ثغرات يمكن للقارئ أن يكملها بمخيلته دون عناء، وذلك من أجل التبئير على الأحداث المهمة والتي يؤدي ظهور كل منها إلى ميلاد الحدث الذي يليه، وهو نمط لائق بفكر الشخصية المشوشة والمضطربة غير مرتبة الأفكار.
كانت (المرآة) أداة سينوغرافية لافتة في رواية «سيدات الحواس الخمس» حيث عكست في كل الأحوال طبيعة الشخوص وطريقة رؤيتهم لذواتهم، وما من شخصية إلا وكان لها مرآتها الخاصة؛ كانت مرآة (سليمان الطالع) معلقة في مكتبه حيث ينصب اهتمامه وتدور أحلامه، فكان يرى فيها (الأصباغ، والشعر الاصطناعي، ومساحيق التجمل...) التي يخفي بها حقيقته أي أنه يرى من خلالها وسائل تزييفه للواقع ولحقيقته فيه، كما أن اطارها الذي يرمز «للسلطة والجاه» كان يخفي جزءاً من صورته أي من حقيقته التي لا يعرفها سواه.
يقول السارد:
«ثمة مرآة معلقة على الجدار المقابل للطاولة يحمي إطارها الذي شيد من خشب الأبنوس الفاخر حاطة جزءاً من هيئة «سليمان الطالع».
أما مرآة (كندة) فكانت ترى فيها أنوثتها المهدرة التي تؤجج غضبها حين تتعرى وتشاهد جسدها الذي نبذه (رعد) على الرغم من كونه شهياً غضاً.
فيقول السارد: «...بدا لها جسدها في المرآة باذخاً...»
ويتصاعد دور (المرآة) ووظيفتها مع الشخصية الرئيسة (سراج) حيث احتلت أربع مرايا حوائط غرفة نومه، حيث ينصب اهتمامه على ذاته، وحيث نشأت أزمته اثر خيانة زوجته وحبيبته (ريفال) مع عدوه وسارق وطنه اللدود (سليمان الطالع) مركز الأزمة، مشكلة بذلك الاتجاهات الأربع ومدللة على حالة التيه والضياع التي يشعر بها فدوماً هو لا يجد في نفسه ما يبحث عنه حين ينظر إلى أي منها، وغالباً يصاب بدوار بعد النظر في مراياه ذلك لأنه يدور في متاهة البحث عن الذات بلا طائل.
يعود السارد ليقول:
«في غرفته تعرى من ملابسه كاملة، ... وقف في منتصف الغرفة وراح يراقب جسده في المرايا التي تنتشر على الجدران الأربع، كان يلتفت ويستدير نحو كل مرآة كأنه يفتش عن شئ ما... ولهاث شديد يتلبسه كأن جنياً يستبيحه ويوجعه...».
كان هناك نوعاً آخر من المرايا العاكسة، متمثلاً في تقنيات (الأنسنة، والتجسيد)، وفي الصور اللغوية البلاغية التي تعكس انفعالات وأفكار البطل كما كانت تنطوى على وجهة نظر الكاتب ورؤيته لبلاده حين قال على سبيل المثال:
« عمان فتاة قروية ترتدي «مني جوب» قصير، وتدخن سيجارا كوبيا وتشرب نبيذا فرنسيا، وتتبختر في الشارع وهي تقتاد كلبا بسلسلة ذهبية، لكنها حينما تعود لبيتها تدرك أنها مازالت تحلم بأن تتغير».
«عمان مدينة قلقة مثل طفل يقف على مفترق طرق ويحار أيهما يسلك...»
«هندسة شرهة باتت تقوم على شكلها الجديد...»
«الوهم هو سيد المدينة..».
وعن صمودها يقول:
« الطبيعة يد ما زالت تدفع بصدر الأسمنت عن بدنه».
أما عما فجرته محبتها بداخله من صور بديعة فيظهر في قول مثلاً: «عمان التي تهز شجر قلبي».
كان للفن التشكيلي دوراً تمظهر فيما دل عليه فلوحة (خلق آدم) على سبيل المثال، تدل على حاجة الإنسان الدائمة إلى معونة السماء، ولوحة (الفتاة ذات القرط اللؤلؤي) كانت معادلاً لصورة (ريفال) حين قابلها البطل في برنامجها (السر).
للغناء وللموسيقى دورهما في هذا النص، فصوت (أم كلثوم) كان المحرك الوحيد لأشجان (سليمان الطالع) بشخصيته الواقعية، بينما كانت نوتات (البيانو) هي عالم (سراج) السحري الخيالي وفلك روحه، وكلاهما يتناسق مع شخصية صاحبه.
استخد (برجس) رمز «الثعلب» ليخلق انزياحاً على شخصية (سليمان الطالع) أو الفساد برمته، بما يحمله هذا الرمز من اسقاطات على المرموز له (كالمراوغة، والحيلة) وكيف كانت ردة فعل البطل إزاءه حيث كان يطلقه مندداً بالبندقية، ثم صار يراه يقف متحدياً تهديده كلما تمادى (سليمان) في طغيانه، وفي النهاية وبعدما تظاهر»الثعلب» بالموت ثم راح يركض باغته (سراج) بطلقة أعلنت وفاته بالفعل. بعدما تعملق وراح يتراءى له في الحلم ضخماً يحطم بيوت المدينة ويطبقها على ساكنيها.
اختار الكاتب اسماء أبطاله بعناية فائقة حيث دلّ (سراج) على الضوء والنور والهداية والحقيقة، و(كنان) الذي يدل على مستودع القوة الحقيقية لهذا الوطن وهي قوة الشباب، و(وداد) التي كانت تمثل الود الخالص، (سليمان) ودلالة الملك وسعة النفوذ، (ريفال) الشفاء وصاحبة الشعر الطويل، (رعد) وتأثير قوة الصوت واللغة المسموعة على النفوس.
كان «المبنى الحكائي» أو نظام ظهور الأحداث في العمل لهذه الرواية بمثابة قوة اضافية للعمل بذاتها حيث حافظ على طزاجة الأحداث و على اشتعال جذوة التشويق داخل «المتن الحكائي»، بتوليد الكاتب لمجموعة من الأحداث التي تنتمى للفكرة الأساسية بطريقة أو بأخرى، فقد أجاد (برجس) صياغة حبكة الرواية حين أوحى للقارئ بأن بطلها استحال إلى (سفاح) وقتل النساء الخمس (كنْدة، وسوار، دعد، ليلى، رغدة) بينما أعادهن إلى الحياة الروائية في مشهد الأوبريت الأخير بعدما وضعت كل واحدة منهن اصرها، وتطهرن من دنس الخيانة؛ ورحن يؤدين عملهن كسيدات للحواس الخمس.
كما كان مشهد المواجهة بينه وبين (ريفال) مشهداً يتسم بالنضج، والجرأة يكاد القارئ أن يحبس أنفاسه عند قراءته، وكأن الشعب يواجه الوطن، وكأن الحبيب يواجه جرحه الكبير الذي لوثه التسويف، إنه مشهد التطهر، ولحظة الانتقام من المفسد الأكبر (سليمان الطالع) الذي انهارت أسطورته بالمكاشفة حين منح الوطن حرية البوح والتعبير لأحد مواطنيه الأوفياء.
ومن الممتع أن النهاية لم تكن نهاية كفكاوية مظلمة بل لعب (التدوير) لعبته في خلق الأمل، في أن القادم قد يكون أفضل.
مثلما قدم من قبل (ثربانتيس) استراتيجيته الخاصة للحب من خلال رواية (لا جالاتيا) استطاع المبدع (جلال برجس) ومن خلال تلك المشاهد السينمائية، والمسرحية، والغنائية، وعن طريق التقنيات الجمالية والكتابية، ووعيه الفكري، ورؤيته المعاصرة للأحداث، أن يقدم لنا استراتيجية للحياة ككل بروايته (سيدات الحواس الخمس) التي انطوت على عالم روائي مدهش بتمظهراته الاستباقية، والاستشرافية  للمستقبل، وبقدرته الفائقة على طي واختصار المسافات الزمنية بتقنيات السرد المختلفة بغرض تقديم رؤية محددة لما سيكون عليه الأمر، ولما يجب أن يتم تحسباً له وفق تلك الرؤية المدعمة برصد مشاهدات واقعية وبالإتكاء على حقائق ملموسة، منطلقاً برؤاه وعلى غير العادة من الملموس والملاحظ إلى المحسوس والمتوقع. 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش