الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فن الـ«مونوسكيبس» الفوتوغرافي و»ثنائيات» جلال الدين الرومي

تم نشره في الجمعة 13 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً

 محمد حنون
هل يمكن تناول تيار فني فوتوغرافي من خلال مقاربته مع فلسفة فكرية وإسقاطها عليه، من أجل فهم بُنيته البصرية ومعطياته الفنية والتقنية، فلسفيا؟ وهل كل تيار فوتوغرافي، سواء كان فنيا أو توثيقيا، يحتمل مثل هذا التناول؟ كثير من التجارب النقدية والاستقرائية الفوتوغرافية؛ تعاملت مع الصورة الفوتوغرافية بوصفها مساحة للسرد البصري ومساحة تحتمل الفلسفة؛ وليس كصورة تحمل موضوعا محددا أو قيمة جمالية وحسب، وهو ما فعله الكثير من الفلاسفة، من أمثال سارتر وستراوس وبارت وفلوسر ودريدا وغيرهم.

 جلال الدين الرومي وفلسفة وحدة الثنائيات
في جانب كبير من فلسفة جلال الدين الرومي؛ يقدم فكرته الفلسفية حول وحدة الوجود، ووحدة الثنائيات فيه، بما في ذلك وحدة العقل والجسد، بوصفها شيئا واحدا من حيث الجوهر، سابقا بذلك ما قدمه سبينوزا عن وحدة العقل والجسد وتناغمهما، في سياق نقده لانفصال العقل عن الجسد عند ديكارت. يعبر الرومي عن ذلك بشكل فلسفي شعري في عدة أماكن من قصائده، حيث يقول «وما النور والظلمة إلا رقصة عشق أزلية».
في فلسفة الثنائيات عند الرومي، التي يرى فيها الأضداد في الوجود موحدة في جوهرها، كالظلمة والنور، الموت والحياة، العقل والجسد، الخير والشر، الماء والهواء، التراب والنار والرحمن والشيطان، وغيرها من الثنائيات التي تبدو في تمظهراتها الأولى متضادة؛ ولكنها تُعتبر متوحدة في طبيعتها الكونية، من حيث إبرازها وإكمالها لبعضها بعضا. وأن التضاد والاختلاف فيما بينها محض وهم، ومجرد إختلاف ظاهري وليس جوهريا، حيث يقول الرومي أيضا «يا رقصة الماء والنار والهواء والتراب.. إشهدي على وحدة الوجود وعلى وهم التضاد».

 وحدة اللونين الأبيض والأسود
الـ»مونوسكيبس» هو تيار فني فوتوغرافي، يوصف بـ»الأبيض والأسود» ظاهريا، ولكنه يقدم اللونين الأبيض والأسود باعتبارهما لونا واحدا، أي الرمادي، حيث يتدرج الرمادي في الاتجاهين، منتجا اللونين الأبيض والأسود؛ من خلال آليات تفاعل الضوء مع الأسطح المختلفة وزوايا سقوطه. لغويا، الـ»مونوسكيبس» يعني حرفيا «المشاهد الأحادية»، والقصد بالأحادية هنا ما يخص اللون، وهو مصطلح مركب من مصطلحات تقنية فوتوغرافية كالـ «مونوكروم»، الاسم التقني لأفلام «الأبيض والأسود»، ومن الـ»لاندسكيب « أي المناظر الطبيعية، أو الـ «سيتيسكيبس» أي المشاهد العالية والمفتوحة لأفق المدينة. أما كلمة «مونو» فتعني «واحدا»، وهو المصطلح الذي يستخدم في عدة مجالات علمية وفكرية، كمصطلح «مونوفونيك» الذي يعني «أحادي الصوت»، وما نجده كذلك في المصطلح اللاهوتي «مونوثيزيم» الذي يعني «التوحيد» أو «إلها واحدا».

 البناء الفني والبصري وخصائص الـ»مونوسكيبس»
ما الذي يجعل فن الـ»مونوسكيبس» الفوتوغرافي مختلفا عن التصوير بـ»الأبيض والأسود» للمناظر الطبيعية (لاندسكيبس) ولمشاهد أفق المدينة (سيتيسكيبس)، على الرغم من تشابهها في الظاهر من حيث غياب الألوان الأساسية والثانوية، ومن حيث وجود اللونين الأبيض والأسود فقط؟ ومتى يمكن إطلاق تسمية «مونوسكيبس» على صور لمناظر طبيعية ومشاهد أفق المدينة، وقد التقطت بالأبيض والأسود، ومتى لا يمكن ذلك؟
حين تكون الصور بالأبيض والأسود ذات مواضيع إخبارية صحافية وتوثيقية، فإنها حتما تأخذ التسمية التقليدية: «الأبيض والأسود»، وفي تصوير المناظر الطبيعية والمشاهد العالية للمدينة بالأبيض والأسود، التي تلتقط بطريقة تقليدية بدون تحري خصائص الـ»مونوسكيبس» الفنية والمفاهيمية، فإنها أيضا يطلق عليها «الأبيض والأسود». ولكي تحمل الصور الملتقطة صفة الـ»مونوسكيبس»؛ فثمة مفردات بصرية تلعب دورا مهما في هذا الشأن، من حيث عناصر الصورة فنيا، وبنيويتها المفاهيمية، وحتما من حيث الموضوع وتكويناته البصرية!
من خصائص فن الـ»مونوسكيبس» أنه يميل للتجريد الفني الفوتوغرافي، من حيث التقاط التكرار في البناء البصري في المشهد، أي الأنماط، كتكرار الخطوط والكتل والتصميمات الهندسية في العمارة المدنية، بعيدا عن الغايات التوثيقية وتركيزا على النواحي المفاهيمية وعلى القيم الجمالية، وهو ما نجده على سبيل المثال وليس الحصر، عند فنان الـ»مونوسكيبس» الفوتوغرافي الألماني نك فرانك.
ثمة تيار آخر في هذا الفن الـ»مونوسكيبس»، يأخذ منحاه كذلك في مشاهد الطبيعة والمدن المفتوحة، ولكن بعكس أسلوبية الألماني فرانك، فهي تتسم بالتركيز على التجريد العفوي والطبيعي فيها، غير أنه ثمة اندماج في المشاهد وتكويناتها، على الرغم من الاختلاف الجوهري الظاهراتي، نتيجة لزوايا التصوير والإضاءة، ونتيجة البحث عن التجانس العشوائي بين الكتل مختلفة التكوينات في المشهد الواحد. في هذا التيار تصبح الصورة مساحة تجريدية أيضا ولكن دون نمطية بصرية، وهو ما نجده في غالبية الأعمال الفوتوغرافية للفنان الرقمي جون إنغراهام في إطار مشروعه الفوتوغرافي الذي قدمه في فن الـ»مونوسكيبس» والذي حمل العنوان ذاته.
إنغراهام فنان غير متخصص في الفوتوغراف تحديدا، وإنما في عدة فنون بصرية رقمية تتخذ الصورة أساسا لها، وفي عام 2015، قدم مشروعا فوتوغرافيا بعنوان «مونوسكيبس»، وقد كانت صور المشروع صورا عادية من حيث البناء البصري والمواضيع، غير أنه وضع في مقدمة كتاب المشروع عبارة لافتة للانتباه، وهي جزء من نص شعري للرومي: «وما النور والظلمة إلا رقصة عشق أزلية». وهو بهذا التقديم، يفسر للمتلقي شكل العلاقة الفنية والجدلية بين الأبيض/ النور والأسود/ الظلمة في صور مشروعه! لم يكن اختيار إنغراهام لهذا النص مصادفة ليكون في مقدمة كتاب مشروعه، بل كان انعكاسا لفهمه لهذا التقارب ما بين روح فلسفة الرومي في هذا النص وجوهر فن الـ «مونوسكيبس»، وهو ما يسجل له في مشروعه هذا؛ بعيدا عن عادية الصور نفسها.
 نقد الاصطلاح «مونوسكيبس» في سياق فلسفة وحدة الثنائيات
هناك من لا يقبل بفلسفة وحدة الثنائيات، كالقول بأن الظلام والنور أمر واحد، من حيث العلاقة الجدلية؛ كالقول بأنه لولا الظلام لما عُرف النور، كذلك من الممكن عدم التعامل مع هذا النوع من الفوتوغراف كأي شيء آخر؛ غير كونه تصويرا بالـ»أبيض والأسود»، وبوصفهما لونين منفصلين، وقد يُقبل هذا المصطلح، الـ»مونوسكيبس» إذا ما تم استخدام تدرجات أي لون آخر، غير الرمادي، في العمل الفوتوغرافي، من خلال المرشحات أو المعالجات الرقمية.
ثمة من يرون في مصطلح الـ»مونوسكيبس» لوصف هذا التيار الفني وصوره التي يُستخدم فيها اللونان الأبيض والأسود؛ هو أمر فائض عن الحاجة، وبأن وصفها بالأبيض والأسود هو الأكثر صوابا ومنطقية من الناحية التقنية، وهو رأي له قيمته ومبرراته، ولكن لم ينتبه أصحاب هذا القول إلى أن فناني الـ»مونوسكيبس» الذين اختاروا أن يستخدموا في وقتنا الراهن أفلام الأبيض والأسود، أو الذين اختاروا أن يقوموا باستخدام معايير فوتوغرافية، سواء على كاميراتهم الرقمية أو أثناء المعالجة الرقمية، لتحاكي نتائج أفلام الأبيض والأسود»، لم يختاروا ذلك بسبب عدم وجود بدائل، كما كان الأمر في بدايات التصوير، حيث كان الأمر إجباريا وليس اختياريا.
كانت الخيارات التقنية للأفلام محصورة بالأبيض والأسود، أما الآن فهو أمر اختياري عند الفوتوغرافيين والفوتوغرافيات، وخصوصا عند فناني الـ»مونوسكيبس»، وذلك لتوظيف الطاقات التعبيرية والجمالية البصرية للأبيض والأسود في إطار التجريد الفوتوغرافي، للتركيز على البناء البصري للكتلة، وعدم تشتيتها بالجماليات اللونية. وبذلك، صار لزاما الخروج بمصطلح يمثل هذا التيار الفوتوغرافي الفني التجريدي، ومن ثم تعريفه وتأسيس مرجعية له تقنيا، وكذلك فلسفيا، لتمييزه عن التيارات الفوتوغرافية المعاصرة الأخرى؛ التي تستخدم الأبيض والأسود لأغراض إخبارية وتوثيقية، أو لأغراض تصوير مشاهد أفق المدينة والمشاهد الطبيعية بشـــكل تقليدي، وبعيدا عن الخصائص المفاهيمية والبصرية لفن الـ «مونوسكيبس» آنفة الذكر!
فوتوغرافي فلسطيني ـ أردني/ بودابست

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش