الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المرجعية الروائية و»الآن هنا» لعبد الرحمن منيف

تم نشره في الجمعة 13 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً
  • محمد-القواسمة.jpeg

د. محمد عبدالله القواسمة
يستمد الروائي مادته الخام من الواقع. والواقع هو المجتمع بمن يتعايش فيه من بشر، وما بينهم من علاقات ومصالح، وما لهم من طموحات وعواطف ورغبات. الواقع هو الزمان بما يمور فيه من أحداث، وهو المكان بما يحتوي من أشياء، وما يعيش فيه من حيوانات ونباتات. الروائي يصوغ من هذا الواقع عالمًا تخييليًا مغايرًا للواقع المادي، وله قوانينه، التي تتحكم في بنائه. إننا في الرواية ليس كما في التاريخ نواجه عالم الواقع وحده بل نواجه عالمين متمازجين: عالم الواقع، وعالم الخيال. ومن الاستحالة عزل أحد المكونين بعضهما عن بعض. ولعل مهمة الروائي هي الحرص على عدم طغيان أحدهما على الآخر؛ فإذا طغى الواقع نكون إزاء صورة منسوخة ومكررة لهذا الواقع، وإذا غلب الخيال نكون إزاء عالم هلامي مشوه غير كامل.
هذا الفهم لعالم الرواية يجعلنا لا نستطيع معاينة مواضع معينة من الرواية ونجزم بمرجعيتها الخارجية، أي بمرجعيتها إلى الواقع وحده، وإن كانت تحمل ملامح من هذا الواقع؛ فعلى سبيل المثال، لا يمكن أن نبين مواضع في رواية الطيب الصالح «موسم الهجرة إلى الشمال» ونقول إنها تتحدث عن حقائق في حياة مؤلفها، أو أن مواضع من رواية «الضحك» لغالب هلسا تبرز واقع قريته ماعين، وأخرى تقدم شخصية والدته وغيرها من الشخصيات التي تعرف إليها غالب في حياته. كما لا نستطيع تحديد مواضع من رواية «وداعًا للسلاح» لإرنست هيمنغواي، ونرى أنها تتحدث عن حياته على حقيقتها، ودوره في الحرب العالمية الأولى. إن من العبث أن نبحث عن الواقع منعزلًا عن الخيال في النص الروائي، ومحاكمة روائي استنادًا إلى مرجعية روايته إلى الواقع. إن عزل الواقع عن الخيال ليس في صالح الرواية؛ لأنه ببساطة لا يتفق مع كونها عالمًا تخييليًّا متكاملًا، كما يضعف المتعة التي ينتظرها القارئ، ولا يساعد على فهم ما تقوله الرواية.
يحضرنا في هذا المجال اتهام فالح عبد الجبار الباحث والأكاديمي العراقي المعروف الروائي عبد الرحمن منيف بأنه سطا على أشرطة تسجيلات صوتية، كان قد زوده بها حيدر الشيخ علي بعد خروجه من السجن عام 1988م، واعتمد عليها في روايته «الآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى» التي صدرت عام 1991م.  وحيدر الشيخ علي قيادي في الحزب الشيوعي العراقي، حرض في أواخر السبعينيات على الإضراب العمالي ضد نظام البعث، ثم لجأ إلى إيران ليتهمه النظام الإيراني بالجاسوسية للعراق، ويلقيه في سجن ايفين في طهران. جاء الاتهام في مقالة نشرها فالح في جريدة «الحياة» (31/3/2017) عنوانها «مذكرات السجين العراقي حيدر الشيخ علي ينتحلها عبد الرحمن منيف ويسقط الاسم».
وقد اعترفت السيدة سعاد القوادري زوجة عبد الرحمن منيف بوجود هذه الأشرطة لديها، وأن عبد الرحمن لم يعدها إلى صاحبها. وقد أثار مقال فالح عبد الجبار السيدة فيان الشيخ علي ابنة بطل الرواية الحقيقي، لتكتب على صفحتها في الفيسبوك بأن الأشرطة وصلت إلى عبد الرحمن منيف بموافقة العائلة. وعلى كل حال فإن مجيء هذا الاتهام بعد ربع قرن على نشر الرواية، وبعد خمسة عشر عامًا على وفاة عبد الرحمن منيف يثير الشكوك حول دوافع صاحبها في التقليل من قيمة عبد الرحمن منيف، باتهامه بالسرقة، والتقليل من قيمة رواية «الآن هنا».
قد يكون من اللائق، إذا كان حقًا قد استند عبد الرحمن منيف إلى تلك الأشرطة والتسجيلات استنادًا كبيرًا في بناء روايته «الآن هنا»، وهو يبدو كذلك، أن يعترف به في حاشية الرواية، أو في صفحة خاصة في نهايتها. أجل، كان يجدر به أن يشير إلى ما حدث كما أشار ماركيز إلى أنه اعتمد في روايته «ذاكرة غانياتي الحزينات» على رواية «الجميلات النائمات» للروائي الياباني ياسوناري كواباتا، لكن مع ذلك فإن هذا لا يقلل من القيمة الفنية للرواية المتهمة بالانتحال «الآن هنا» في إدانة القمع، والدعوة إلى تحقيق العدالة والحرية في منطقتنا، ولا يقلل من قيمة صاحبها الروائي عبد الرحمن منيف في تعميق وعينا بالواقع، وزيادة الإحساس بما يجري فيه من أحداث، ولا ينقص من دوره التنويري في الحياة الثقافية العربية، وتطور فن الرواية العربية.
إن استخدام منيف التسجيلات التي حصل عليها من حيدر الشيخ علي مرجعية واقعية لروايته «الآن هنا» نقلها من عالم الجمود والركود، أو عالم المذكرات المنسية إلى عالم ينبض بالحياة، عالم الرواية. لهذا لا يمكن عزلها عن واقع تخييلي امتزجت به، واتهام من استخدمها بالانتحال أو السرقة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش