الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الوحدة آخر الليل

تم نشره في الجمعة 13 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً

عامر علي الشقيري
ترنح بضع خطوات على الجهة المقابلة لي قبل أن يهوي بجسده على الرصيف ثم أخذ يسعل بشدة ويقذف البصاق عن يمينه وشماله كيفما اتفق، ظهر في ذلك الشارع كشبح متقاعد خارج التأمين، جلس ممسكا بكيسه الأسود الكبير الذي يرقد بين ساقيه كطفل مهذب..انتظرته حتى أشعل سيجارة وأخذ يجذب منها نفسا عميقا ويطلقه في الهواء كما لو أنه قاذف للصواريخ.. قلت في نفسي: ربما هو تعب ومنهار تماما إلى ذلك الحد الذي دفعه لتجاهل حاوية القمامة الزاخرة بالقاذورات والتي تقع على مقربة منا أو انه أجلها ليصحو من قيلولته ويبدأ بها كوجبة أخيرة.
لم يحدث أيا من ذلك.فقط واصل العجوز إشعال السيجارة تلو الأخرة وراقبته مدفوعا بشفقة عظيمة لا سيما عندما أخذ يحدق في النجوم الطازجة التي نبتت للتو في وجه السماء، وأدركت حينها كيف يزهد الإنسان بكل شيء آخر العمر ويكون مستعدا لقضاء ليلة كاملة في تأمل السماء والتدخين بصمت ووقار كما ينبغي لرجل أنهكته حكمة الشوارع والطرقات وتساءلت :أي هواجس صغيرة تفور في رأسه؟
لم يغره منظر الحاوية.. تكاد تنفجر من كثرة ما تحويه. ها قد انتصف الليل. ما الذي يفعله هذا العجوز المثير للشفقة؟ كيف يطيل التحديق في النجوم وينسى قوت يومه هكذا.. سأتصرف حالا وأجعله يندم.
قطع سيل الأسئلة تلك هدير الشاحنة التي اصطفت قبالتي وبدأت بإفراغ نفايات الحاوية في جوفها وتحركت ببطء.. لكن أين ذهب العجوز؟
يا الهي لقد صافح السائق ! وها هو يلوح لي من الخلف وسط كل تلك القمامة التي في الشاحنة!.. أخذت الشاحنة تبتعد رويدا رويدا وكنت وحيدا وموحشا على الرصيف ..ممسكا بكيسي الأسود الذي يستقر بين ساقي كطفل مهذب.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش