الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ايام في الغربة (25)جارتي الطيبة

تم نشره في الاثنين 9 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً


 د. سلفيا باكير
امضيت اكثر من عشر سنوات في غربتي. كانت الصعوبات والعقبات الاجتماعية متواضعة مقارنة مع ظروف اناس كثيرين .. ربما يرجع ذلك الى انني بالاصل انسانة متكيفة، وربما كانت علاقتي بجارتي وهي من اهل المنطقة من اكثر الأمور ونساً بالنسبة لي، اربعينية هي ولها ستة اولاد وبنت واحدة، فرحت بي كثيرا عندما سكنت عمارتهم وكانت بين الحين والآخر تطلب مساعدتي في تدريس ابنائها الصغار .. كنت افعل ذلك بكل سرور ومحبة لأن هذه الجارة كانت بمنتهى الطيبة وكانت تطلب ذلك على استحياء، وكان احد ابنائها الصغار يساعدني على اصطياد بعض الحشرات الغريبة والتي تثير رعبي عندما آتي من الإجازة رغم الاغلاق المحكم لشقتي؛ قالت لي ذات مرة انها تحب وتقدر التعليم ومن يحملون الشهادات، حيث انها تمنت ان تدخل المدرسة ولكن والدها لم يفكر بإرسالها إلا فقط من اجل حلقات تحفيظ القرآن الكريم المنتشرة هناك في كل مكان.
وما إن اتمت الثالثة عشرة من عمرها حتى قام والدها بتزويجها برجل ارمل يكبرها بثلاثين سنة وله ثمانية اولاد، شباب وشابات واطفال، قامت بتربيتهم إضافة الى اولادها الذي جاؤوا الى الدنيا على التوالي، قالت لي اكثر من مرة: لو كنت صاحبة قرار لما اخترت ذلك ولكن لم اجد من ينصحني، فقد اصبحت أماً وانا مازلت طفلة وكنت اتابع تربيتهم واراهم يكبرون امام عيني وانا اخسر من صحتي وعافيتي وشبابي الكثير يوما بعد يوم. تزوج معظمهم ولم أحظَ بوفاء يذكر، وما إن كبر اولادي، حتى وجدت نفسي ولم يبقَ مني لا صحة ولا عافية.
ما ان تعلم بعودتي من إجازة الصيف حتى تأتي للسلام علي وتحضر معها العشاء وهي تقول: انت وصلت متعبة وليس لديك وقت للذهاب للتسوق وشراء طلبات البيت.
كنا نجلس نحتسي قهوتها اللذيذة مع التمر وتبدأ تحدثني عما وقع اثناء الإجازة. عن مجيء ابناء زوجها للإقامة عندهم والمكوث طوال الإجازة دون اي مساعدة مادية او حتى مساعدة في شؤون البيت، وعندما تشتكي لزوجها يقول لها: لك الأجر ان شاء الله.
كان زوج جارتي يعتاش من راتب متواضع من الضمان الاجتماعي واجور شقتين من بينهم الشقة التي اسكنها، غير ان الإنفاق كان اكثر من الدخل بكثير. فالولائم لا تنتهي حتى لو كانت بالدين. والواجبات الاجتماعية لا تنتهي ايضا، خصوصا الزواجات كما يسمونها. ومما كان يثير غضب جاراتي هو ابن زوجها الأكبر، المبتعث الى فرنسا للحصول على الدكتوراة، الذي لم يكن يقدم اية مساعدة مادية رغم حصوله من الدولة على راتب ضخم. ومجيء زوجته معه دون اية مساعدة اثناء إقامتها، حيث كانت تجلس وتتزين وتأمر وتنهي دون مراجعة من احد وكانت تَتدَخل في كل كبيرة وصغيرة في البيت وعندما تنتهي اجازة الصيف يغادران دون كلمة شكر وامتنان.
كانت تخبرني بكل ما استجد من مشاكل صحية لديها: حساسية وديسك وقولون وما الى ذلك وتنهي كلامها بالقول: الحمد لله.
ربما ان ما كان مؤلما لها موقف بعض بنات زوجها ونظرتهن رغم مرور السنين على انها زوجة اب على الرغم مما قدمته لهن من رعاية وعناية وسهر وخدمة.
عندما عدت الى الأردن كنت حريصة على توديعها بالطبع. احضرت معي تلك الهدية الفاخرة التي حملتها لي عندما حصلت على الدكتوراة، وهي عبارة عن صندوق يحتوي على قوارير عطر فخمة، كما دعتني على عشاء مميز. اخبرتني يومها: انا فرحة وسعيدة جدا انك حصلت على الشهادة العليا.. صحيح انا لم اتعلم ولكني اقدر قيمة التعليم والشهادات وانا افتخر بك امام معارفي وصديقاتي واعتبرك مثل اختي.
شكرتها بقوة. وعند عودتي من الإجازة احضرت لها ثوبا مطرزاً من الاردن يحمل تراثنا، فرحت به كثيرا وظلت تتباهى به امام قريباتها وصاحباتها وكارهاتها بأنه «هدية من صديقتي الدكتورة».
اسعد الله اوقاتك يا زينة .. فعلا كنت زينة .
وللحديث بقية.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش