الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قـِـيــمُ زمــان...

محمد داودية

الأربعاء 4 نيسان / أبريل 2018.
عدد المقالات: 309
الرجل الذي يأكل اللحم في بيوت الناس، وأهلُ بيته لا يأكلونه، هذا ليس رجلا!!

سيرة روائية  ,7,

الشافعي، مثقف حيوي من عمق أعماق مؤاب، كنت أقول له ان فيك من جينات «المنقذ ميشع» وخصائصه. شبّ على قدريّة الفلاحين وتجاوَزَهم. اختطّ لنفسه نهجا دياليكتيكيا خاصا، يتحلى بالمرونة والقدرة على خلط العناصر واستنباط وسائل العمل وادواته. قاريء احفوري، يصل الى ما لا يصل اليه الا الندرة من القراء المخلصين المحترفين. لين العريكة مطواع في الحياة الاجتماعية، يشرب العرق باعتدال والسجائر بإفراط.
احببت الشافعي، وشكلنا ثنائيا متناغما حريصا على العمل الدعوي السياسي والانتشار الطلائعي. اعتمد الحزبُ كثيرا على رأي الشافعي في ترشيد اتجاهات اليسار الطفولي التي حاولت ان تزج الحزبَ في العنف، وتجره الى متاهات العمل الإرهابي غير المدروس. كان مباشرا، صريحا وبسيطا في تقديم الحلول والإقناع بها.
انتقل الى العمل في منظمة الحزب بالمفرق في أواخر السبعينيات، عملنا معا، وتنقلنا بين احياء المفرق ليلا نعقد الحلقات «التبشيرية» بالحزب الجديد، ثم تحركنا في قرى المفرق الغربية والشرقية، نلبي دعوات الأصدقاء لعقد جلسات منزلية فكرية في ظاهرها، حزبية في مضمونها.
كان الشافعي قنوعا بشكل لافت وغريب، يكتفي من الحياة بوجود السجائر ووجبة خفيفة وكتاب وكأس عرق.
طلبت من احدى السيدات العمّانيات الجميلات، ان تجد للشافعي زوجةً يدفن رأسه في رحابتها، تقبلُ ان تعيش على فوهة اعتقال، عيشةَ شظفٍ وهلع. شرحت لها عن ظروفه القاسية.
 قلت: الشافعي نقي وطاهر.
وأضفت بمكر: وهو بِكْر.


الفَراشةُ التي روّضت ذئبا


كنت قد اصطحبت الشافعي لزيارتها في بيتها. هناك تناقشا طويلا في كتب نوال السعداوي، موضة تلك المرحلة، قبل ان تركنها على الرف الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي. ذهبتُ الى صحيفة الاخبار في شارع وادي صقرة وعدت بعد ثلاث ساعات. كان نقاشهما ما يزال ملتحما محتدما.
قالت لي السيدة المثقفة بانبهار: لن اجد في عمان كلها فتاة على مقاس الشافعي، الشافعي يستحق الكثير.
وأضافت وعيناها تلتمعان بعرضٍ، حرِصَتْ على ان التقطه: توجد امرأة واحدة فقط على مقاس الشافعي!
قلت مبتهجا: انت لا تمزحين يا امرأة، بالطبع لا تمزحين، انت جادة.
قالت وعيناها تلتمعان بالرغبة: كل الجدية.
قلت بزهو كأنني أكتشف البارود: لا بد انك انت هذه السيدة !.
واضفتُ اداعب الأرملةَ المكتملةَ الفِتنة: سأحاول ان اقنع الشافعي بك ايتها الأرملة الباذخة!
قالت: حاوِل بشهامة. أرسله لي هذا الفلاح المثقف. سأكتسحه. سأفكفكه واعيد تركيبه.
وأضافت: «مسّكني إياه» ولن افعل به ما فعلت بكم حواء، لن ادفع الشافعي الى الخروج من جنتي.
قلت: إنه محظوظ هذا الشافعي، فأنت درة النساء وجميلتهن عقلا وجسما.
قالت: انت تتملقني دائما وتشبعني إطراء وترضيني وتتصرف معي كجنتلمان. انا اعرف انك وغد، فلماذا لا تتصرف معي كوغد ؟
قلت: انت تعرفين انه لولا الحاجز الكثيف الذي بيننا، لاعتكفت امام منزلك حتى تقولي لي: هيت لك.
سارعَت تقول بلؤم: هيتَ لك.
قلت مقهقها: عليك ان تقطّعي اصابعَك وان تغلّقي الأبواب وأن تقدّي قميصي من دبر ومن قُبُل ايضا.
قَبَّلْتُ ظاهرَ يدها كما كنت افعل دائما وغادرت مسرعا.
لقد قهرت للتو ذئبا ضاريا كان في تمام هياجه، يعوي ويوشك ان يلتهم امرأة باذخة الحسن كانت تنوي ان تقد قميصي من دُبُر.
 
لا تعقُب صاحبك ولا تغدره حيا وميتا
حمدت الله و جدّي مزعل الذي زرع فيَّ قيمي وهو يقول: لا تُسَلّم اخاك.
وهو الدرس الذي يعني: لا تغدر بأخيك ولا تخن اخاك ولا «تَعْقُب» أخاك.
كانت العلاقة الإنسانية مكتملة بيننا. فقد كنت افدي زوجها لو اقتضى الأمر، وكانا على حب اسطوري فاتن. كان منهمكا في ترتيبات اجهلها في الأرض المحتلة.
عاشقان مولهان كانا. وهي السيدة التي لم ارَ في براعتها وقدرتها الغريزية على الاستحواذ والجذب.
وانا كنت صديقا ورفيقا وفي منزلة الشقيق. ادخل الى بيتهما دون استئذان.
روّعني رحيلُه وروّعني حزنُها. فطرا قلبي واوجعاه. ظلت في كآبة قاتلة، تنفث عويلها سنة وأزيد، الى ان تمكنّتُ من استدراجها الى الحياة فعادت سيدة بكامل روائها تملأ المحيط حيوية وعطاء وحنوا وصخبا. 
نقلتُ الى الشافعي تفاصيل حوارنا، غمرَته بهجةٌ طفولية رأيتها في عينيه للمرة الأولى، حضنني وقبّل رأسي واعلن قائلا: اعترفُ وانا في كامل وعيي انك ساحر. أنت مافيا. انت عرّاب حقيقي. واجمل ما فيك، انَّ فيك عفة وإيثارا.
وأضاف: كم انا محظوظ أنْ أحظى بهذه المرأة.
 كان يعرف على وجه اليقين انني أُحرّمُ تلك السيدة على نفسي لأن زوجها الراحل، كان من أصدقائي ورفاقي الأعزاء.
قلت له: انطلق الى العاصمة فورا، فالمرأة وردة نفيسة لا بل هي مرج ورود ملونة، اخشى إِنْ تأخرتَ أَنْ تجد المرجَ مليئاً بالدبابير والهوامير.
وأضفت: وقد أكون أحدهم!
استحمّ وحلق ذقنه ووضع شيئا من عطر «اولد سبايس» من بقايا زجاجة قديمة. فعل كل ذلك في عشر دقائق. ودّعني وهرع خببا الى موقف الحافلات على خط بغداد- عمان.
عاد بعد أسبوع، شافعيا آخر مختلفا. لقد اعادت تلك السيدة الكاسرة المقتدرة، صياغة الرجل كما وعَدَت. لقد غرق الشافعي في الحب.
اصبح الشافعي يغادر المفرق كثيرا، يعرّج على عمان، فيقضي فيها ثلاثة أيام ويواصل الى الكرك، فيقضي فيها يومين، ويعود الى عمان فيقضي فيها أسبوعا، وينتهي الى المفرق منشرحا مصطهجا.
حدّقت في الشافعي وقلت: المرأة اكبر مؤثر على جسم الانسان وروحه وعقله.
قال معتزا: المرأة التي احبها بوعي وعمق تقصد.
اصبح الشافعي اشدُّ ميلا الى المرح والفرح والموسيقى واغاني فيروز وشادية وام كلثوم، وصار يقضي وقتا اقل في المفرق ويقضي وقتا أطول في عمان ووقتا اقل في الكرك.
إنْ مات الأب ... تولّى الرب
حين أخذ الله ابي، في غبش الطفولة المبكرة، عوّضني بوالد لا مثيل له في حنانه وعطفه وكرمه هو عمي جعفر ابن عم والدي، الذي ربانا أنا وشقيقتي الحبيبة المفرطة الطيبة خديجة، وأسبغ علينا ما لا يمكن أن يُزاد عليه فتولى الله رعايتي وحراستي وحمايتي ورزقي وتوجيه خطاي.
إن الله يرعاني في شأني كله.
ألم يقل أهلنا الفلاحون: إنْ مات الأب، تولّى الرّب ؟!!
لم اشعر بغياب أبي. فقد كنت اميرا مدللا عند اخوالي المعانية في الإجفور. كان جدّي يعمل مراقبا للعمال في الشركة ويعيش مع الاسرة في كامب الآي. بي. سي. وكنت اميرا بعد ذلك عند عمي جعفر الذي استدعاه ابي من الطفيلة ووظفه معه في الشركة واسكنه في بيتنا.
جعفر، هو الملاك الذي لا يوجد مخلوق على وجه الأرض اكثر منه حنوا ورفقا وتقىً وهدوءا وطيبة، لقد وافقت أمي على الزواج من جعفر، ابن عم الوالد، لإطمئنانها الكامل واطمئنان اخوالي، الى انه خير من سيعتنى بي وبشقيقتي خديجة، وكان هذا الزواج، الذي نشأت في ظلاله، مكرمةً كبرى من أمي واخوالي، الذين أمّنونا في رعاية رجل ملاك لا مثيل للحياة في كنفه.
جعفر عمي، ذو وجه ملائكي يفيض نورا وبِشرا، ابيضاني فارعُ القامة، نحيل، بشوش، لم اسمع له صوتا مرتفعا على الاطلاق، لم أره في حياتي غاضبا من أحد، كان موضع احترام كل الناس وكان موضع ثقتهم المطلقة، كان حمامة مسجد، يصلي الفجر حاضرا في كل الظروف.
عندما كنت اراه يتوضأ بالماء البارد في فصل الشتاء القارس كنت اكاد ابكي شفقة عليه، كان بطيئا بطء الوقور، يمشي الهوينى على تمامها، كان نسمة عمري اللطيفة في أيام الشظف والعوز التي ستأتي كالطوفان.
لمّا أغلقت شركة نفط العراق، انتقلت اسرتي الصغيرة الى المفرق تتبع اسرة جدي، بنى جدي لنا في حارة المعانية غرفة ومطبخا وحماما من الطين والقصل وجعل سقفها من الطين والقصيب مستندا على جسرين من الدوامر الحديدية الشبيهة بتلك المستخدمة في السكك الحديدية.
 بنينا بطريقة «العونة»
 عاون في بناء البيت عدد من الجيران والاصدقاء: معانية وسبعاوية وفلاحون وشوام وبنو حسن ومسيحية ومغاربة وبدو ودروز، تولى بعضهم نقل الماء من منزل عزيز سقالله المعاني أبي علي وبعضهم تولى جَبْلَ التراب بالقصل واخرون رفعوا الدوامر الحديدية والقصيب.
كانت مهمتي توزيع كاسات الشاي بالنعناع وارغفة الخبز والفلافل وعلب السردين على الرجال المنهمكين في البناء، وخلال أسبوعين انتقلنا الى المنزل الجديد من منزل جدي القريب من مسجد المفرق الكبير والمجاور لمنازل أبي العلاء الداغستاني وأبي فيكتور نشيوات وأبي علي الهنداوي وأبي احمد النايل.
عمل عمّي جعفر في المفرق في كل اعمال الشقاء اليدوية، ولما كان يعود في المساء، متعبا، منهكا، كان يؤدي واجبا ثقيلا شاقا، يتمثل في نقل الماء من منزل عزيز المعاني، بالتَنَك، فيملأ حتى الحواف برميلي الماء المركونين في زاويتي الحوش، لم تكن مياه البلدية قد وصلت الى بيتنا لعجزنا عن دفع رسومها.
ذات يوم اصطحبني عمي جعفر لشراء لوازم البيت الضرورية، الأرز والصابون والسكر والشاي والسمن، واشترى لي بذلة الكاكي المدرسية وبوطا، دفع خمسة دنانير لصاحب المتجر عماد السقال صاحب المتجر المنهمك في محاسبة عشرات الزبائن، هي حصيلة عمله الشاق لمدة أسبوع في معمل طوب عودة النبر-ابو سليمان، اخذها التاجر ورد لي مبلغ 470 قرشا، اعطيت عمي المبلغ وانصرفنا. توقف والاستغراب يقفز من عينيه، انا بدوري اخذت اجمع واطرح.
قال لي: إحسب يا محمد إحسب، السقّال اخطأ في الحساب.
حسبنا عدة مرات فاذا بالباقي المطلوب لنا من ال 500 قرش هو ثلاثون قرشا فقط لا 470 قرشا. رجعنا الى المتجر، نادى عمي على عماد وشرح له الخطأ الحسابي الذي وقع فيه. اخذت 30 قرشا ورددت للتاجر 440 قرشا وعمّي يقول له: هذا المبلغ لك وهو ليس من حقنا.
ولما تخرّج أخي احمد، ابنُه البِكر من الجامعة، طلبوا من عمي جعفر رشوةً كي تتم إجراءات التعيين! فذهب مرتعدا الى امام المسجد، في إسكان الهاشمية بالزرقاء، يستفتيه عن الحلال والحرام، فأشار الإمام عليه بالدفع. سمع عمي الفتوى لكنه لم يعمل بها. طبعا لا يمكن ان يعمل بها. قلت له لما علمت بالامر: ما كان يجب ان تطلب الفتوى ابدا ياعمي. فانت من يفتي لنفسه. طريقك واضح لا غبش فيه. انت لا تقترب من الحرام لو كان مال قارون.
لا تنم ظالما و لا تنم مظلوما
كنت الولد الأثيرعند جدّي الشهم الطيب الكريم، واحببته بدرجة لا توصف. كنت انتظره أحيانا وقت اوبته من العمل في الغروب فيصطحبني معه ليشتري لي الهريسة او العوامة -الزلابيا. كان لا يكف عن السؤال عني ان لم اكن حوله.
كان جدّي مزعل رجلا وافيا ضخما يقارب المترين طولا وفي حجم ووزن ثلاثة رجال اصحاء، ذا كرش متوسط، يمشي وئيداً، يعاجل من يلقاه بالتحية والابتسامة، ذا بشرة سمراء، مثل معظم اهل معان وموظفي الشركات العاملة في البادية، يضع على بطنه شبرية على عادة الرجال في تلك الأيام. كان نجم حلقات الدبكة المعانية الحماسية الجميلة، يسرح أحيانا فأظنه قد غفا وهو يمشي، فأشدّه من بنطاله فينتفض وهو يقول:
- انا صاحٍ يا محمد. كنت افكر في حال الدنيا وناسها.
- ما بها الدنيا وناس الدنيا يا جدي؟
كان ثغره يفتر عن ابتسامة تكشف اسنانه الدقيقة ويغلق عينيه الصغيرتين ويقول: لا تستعجل يا ابن بنتي، ستعرف كل ما تريد ان تعرفه، انت نبيه وعقلك اكبر من عمرك.
ثم يكمل: حال الدنيا وناسها متغير وحال دنياك ليست كحال دنياي.
كان جدي مدرستي الكبيرة. وكان في مقام ابي.
كرّس عندي قاعدة طبقتها بأمانة، كان يقول لي كأنما يقرأ عليّ وصايا يجب ان احفظها: لا تعتدِ. ولا تظلم. ولا تقسُ. ولا تأكل حقَّ احد. لكن يجب أن يقع ويتكسر من يصطدم بك. ومن يتعرض لك و يسيء اليك يجب أن يدفع ثمن إساءته.
ثم يقول: «لا تنم ظالما ولا تنم مظلوما».
الحمير لا تثير خلفها غبارا
كان يقترب مني قائلا: أراك مهموما يا ابن بنتي.
فأجيب: احدهم يفتري علي.
فيسأل مبتسما: هل رأيت غبارا خلف حمار؟ الحمير لا تثير الغبار خلفها، الخيل الاصائل هي فقط التي تثير غبارا خلفها يغشى عيون ملاحقيها.
ويستطرد: لا تلتفت الى الحساد والغيورين أعداء النجاح. لا تحمل همَّ من ليسوا قدّك. اشتغل ولا تلتفت للكسالى. 
ذات يوم جمعة قال له جارنا أبو هاشم: عندنا ضيف عزيز يا أبو إبراهيم، أولمت له، ويسعدني ان تتناول طعام العشاء معنا.
وأضاف: هات معك محمد ابن بنتك وأشار اليّ.
حان وقت العشاء. كنت هيأت نفسي لوجبة دسمة. لاحظت ان جدّي يتمدد على الفرشة ويتكيء على يمناه والنعاس يغشاه، هززته برفق وقلت له: جدّي جدّي إنهض. حان وقت العشاء عند الجار أبي هاشم.
قال: انا أتذكر لكنني لن اذهب.
قلت: كيف يا جدي، انت وعدت الرجل؟
قال: لقد أرسلت جدّتك ام إبراهيم عصرا لتبلّغ امّ هاشم اعتذاري عن الذهاب.
ثم قال بروية تدريبية كمن يقصد ان اتشرب جملته: اسمع يا ابن بنتي، الرجل الذي يأكل اللحم في بيوت الناس واهل بيته لا يأكلونه، هذا ليس رجلا.
وأضاف: لما قلت للرجل انني سأحضر عشاءه، كنت اعتقد ان في البيت نقودا تكفي لشراء اللحم للعائلة، لكنني اكتشفت ان جدتك قد اشترت بما معنا مدرقة لها وأخرى لأمك.
وقال: يا ابن بنتي، غماسك من غماس ناسك.  كان هذا درسا آخر من دروس جدي.
لا تُسلّم أخاك
رجعت إلى المنزل من ساحة اللعب الفسيحة امام بيتنا في الإجفور لتناول وجبة الإفطار، كان رجلان يقفان أمام المنزل مع عمي جعفر وهما يدعوان أخي الأصغر احمد إلى الاقتراب، ظل احمد يقف بعيدا وهو يرفض الاقتراب، طلبا مني أن أطارده وان امسك به، عدوت خلفه إلى أن تعب فأمسكته وسحبته اليهما وهو يصرخ ويقاوم ولما وصلناهما امسكانا معا، نظرت الى عمي محاولا أن اعرف منه لماذا يلقيان القبض علينا. كان عمي يُطْرِقُ حزينا ويشيح بوجهه ولم يجبني.
أوثقونا وتقدم رجل سمعتهم ينادونه «الشلبي» يمسك في يده موسى الحلاقة فطهّرني أولا.
غرقت في الدم والألم، وعندما عاد جدي من العمل وقت الغروب، عادنا وهو في أعلى درجات الغضب والإستياء. سمعته يقول صارخا: كيف تطلبون من الأخ ان يُمسكَ أخاه وان يسلمكم إياه !!
وقدم لي وإلى أخي احمد قطعا كبيرة من الهريسة.
كانت حادثة دامية لا تنسى، ستظل معي الى الابد، تعلمت من تلك الحادثة، التدقيق والحذر وعدم اخذ الأمور بظاهرها.
كنت في أحيان كثيرة وفي مراحل متعددة من حياتي معلم نفسي، لقد اشتققت واستنبطت لنفسي قواعد صارمة جدا التزمت بها ولم احد عنها.
كان ما جرى لي وما استفزّ جدّي هو الدرس الأبلغ، في قواعد الحياة: لا تُسلِّم أخاك.
- الحلقة 8 تتبع الأربعاء المقبل.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش