الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مـــســــيــرة العـــــــودة

حمادة فراعنة

السبت 31 آذار / مارس 2018.
عدد المقالات: 438


ليست مبادرة مسيرة العودة من الأراضي المحيطة بفلسطين من خارج تفكير الصندوق السياسي الفلسطيني، فقد سبق وبادرت لها ونفذتها الحركة السياسية عندنا في الأردن مع فعاليات دعم الانتفاضة الشعبية في نهاية الثمانينيات، وذهبنا الى الغور وجرت محاولات اقتحام الجسر، بهدوء وسلمية، تعبيراً عن دعم نضال الشعب الفلسطيني من قبل الأردنيين، وقد رافقها محاولة فلسطينية سورية مماثلة على حدود الجولان السوري المحتل وأرتقى شهيداء منهم نتيجة الاشتباك مع العدو الاسرائيلي، ولكن مبادرة القائمين على مسيرة العودة من قطاع غزة، تم من قبل شخصيات مستقلة نسبياً بعد أن وضعوا شروطهم وفلسفتهم ومعايير المشاركة، كي يتوسلوا نجاحها، وتم تبنيها من قبل الفصائل السياسية، الذين يكثرون الحديث عن الكفاح المسلح وهم لا يمارسونه، ويسقطون في وهم القدرة على هزيمة العدو بالعمل المسلح وحده، وهم أعجز منه وأقل قدرة، وهي مظلة هروب من متطلبات عالية المستوى وضرورية تقوم على تنظيم الشعب وقيادته وادارته وزجه في أتون المواجهة الشاملة مع العدو، ذلك ان اقناع شعب لمواجهة عدوه يحتاج لمعايير من المصداقية من قبل قيادات الفصائل أمام شعبهم يفتقدونها اليوم وهم غارقون في مرض الانفصام والانفصال والانقسام، ولذلك يمارسون الصوت العالي بالحديث عن الكفاح المسلح وهم “ مبحوحين “، تعويضاً عن غياب دورهم الكفاحي .
الكفاح المسلح مشروع وضروري، وقد يوجه ضربات موجعة للعدو، ولكنه وسيلة تُستعمل وقت الحاجة وعند اللزوم وعندما تتوفر العوامل الملائمة لنجاحه، ويجب أن لا يُنظر له أنه مقدس كونه يحقق ضربات موجعة للعدو، ويقوم به أبطال، بل هو أداة مثل كافة الأدوات الكفاحية التي تماثله أو تتفوق عليه بالانجاز، ولذلك أدى الكفاح المسلح دوره خلال السنوات الماضية، ايجاباً وسلباً في نفس الوقت، ونضال فتح وحماس والشعبية والديمقراطية والجهاد وباقي الفصال مُقدر، وتضحيات قياداتهم عنوان فخر للشعب الفلسطيني وللعرب وللمسلمين وللمسيحيين من ياسر عرفات وأحمد ياسين وأبو علي مصطفى والشقاقي الذين سقطوا بغدر العدو وأدواته، فهؤلاء القادة وما يمثلون مع باقي تضحيات المقاتلين والبواسل الذين أعادوا للشعب الفلسطيني هويته الوطنية، وقيادته التمثيلية الموحدة، واليوم ثمة شباب مفعمين بالعمل ويحملون روح التضحية والوعي وسعة الأفق، ويعتمدون وسائل نضال متاحة من الجميع بأدوات مختلفة لجعل الاحتلال مكلفاً مادياً وسياسياً وأخلاقياً ومعنوياً، وها هي مبادرة مسيرة العودة تعبير خلاق عن هذا الوعي الكفاحي .
مسيرة العودة امس، مسيرة ابداع قام بها أفراد وتم دعمها وتبنيها من قبل الفصائل في غزة، وهذا اضافة نوعية وتراكمية مفيدة ومهمة، شريطة أن تبقى أدواتها سلمية وسليمة جداً، لهدفين : أولهما لجعل المشاركة الشعبية أوسع مدى من العائلات والأفراد والنساء والأولاد والكهول وزرع الأمل في أن العودة الى الوطن ليست مستحيلة، بل يمكن أن تتحقق بفعل العمل التراكمي، وعلى الفلسطينيين أن يتعلموا من اليهود أنهم تمسكوا بالعودة الى فلسطين بعد ألفي سنة من اندحارهم وهزيمتهم، ونالوا ما عملوا لأجله، رغم عدم مصداقية روايتهم التاريخية، ومع ذلك نجحوا وحققوا قيام مستعمرتهم الاسرائيلية على أرض فلسطين، بينما شعبنا الفلسطيني ما زالت نكبته طرية، بدلالة امتلاك بعض أهل المخيمات لمفاتيح بيوتهم في اللد والرملة ويافا وحيفا وعكا وصفد وبئر السبع .
أما ثاني الضرورة لبقائها مدنية سلمية فهي احراج العدو الاسرائيلي أمام العالم، الذي سيراقب المشهد بقوة، بين بشر مسالمين يتطلعون للعودة الى بيوتهم واستعادة ممتلكاتهم بفعل مدني ومظاهر سلمية، ولا شك أن جيش الاحتلال سيعمل ما في وسعه لتفجير الموقف واستفزاز العائدين كي يرموا الحجارة أو استعمال العنف ليسهل اطلاق الرصاص والغاز والقنابل نحوهم بهدف دحرهم وافشالهم واعادتهم عن فكرة مسيرتهم .
وعلينا أن نتذكر أن تعاطف العالم مع قضية اليهود بسبب المذابح التي تعرضوا لها قبل وخلال الحرب العالمية الثانية، سهل للحركة الصهيونية تنفيذ مشروعها وهي حركة استعمارية نشأت في حضن الاستعمار الأوروبي ومنسجمة معه في استعمار بلدان العالم الثالث في أسيا وافريقيا وجنوب أميركا، واستغلوا المذابح المشينة الظالمة التي تعرض لها اليهود في أوروبا على يد العنصرية والعداء للسامية وبواسطة النازية والفاشية، والشعب الفلسطيني بحاجة لاستمرارية عطف ودعم العالم المتحضر لشرعية المطالب الفلسطينية، واسناد نضاله لاستعادة حقوقه على أرض وطنه الذي لا وطن له سواه .
لقد تغير الموقف الأوروبي من موقف المساند للمشروع الاستعماري التوسعي الاسرائيلي، الى موقف المساند للمشروع الوطني الديمقراطي الفلسطيني، وهو تطور ايجابي ملموس ويسير بخطوات حثيثة تراكمية لصالح فلسطين، والتصويت في مجلس الأمن والجمعية العامة وفي اليونسكو، وفي دعم الأونروا تتضح معالمه الايجابية، مما يدلل على أهمية ما تحقق ومواصلة الطريق بهذا الاتجاه لأنه يصب في تراجع مكانة المستعمرة الاسرائيلية وفقدانها للمصداقية وللمعايير الأخلاقية الانسانية .
h.faraneh@yahoo.com
* كاتب سياسي مختص بالشؤون الفلسطينية والإسرائيلية.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش