الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

من مقاصد العلم

تم نشره في الجمعة 23 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً


د. عصر محمد النصر

العلم من جملة الصنائع التي يحتاجها الناس، به تصلح حياتهم ويطيب عيشهم وينتظم أمرهم، إلا أنه يجري عليه ما يجري على غيره، حيث يذهب الزمان بمقاصده وغاياته، فيذهب أثره من القلوب وتجف زهرته وتذبل، فيؤول حال الأعمال إلى ظاهر بدون باطن، خاصة في أيامنا هذه حيث ارتبط العلم بمجالات الحياة المختلفة وارتبط بالمال والعمل واختلف مقياس النبوغ والنجاح، وفي هذه العجالة سنقف مع أهم مقاصد العلم الشرعي، تذكيرا بها وحثا عليها.
من أعظم مقاصد العلم الشرعي : معرفة الله سبحانه، وهو أعظم مقصد خلق لأجله الإنسان في هذه الدنيا، وهو مفتاح العلاقة بين العبد وخالقه سبحانه، وهي الركن الأعظم في الشهادة، فشهادة المسلم لله سبحانه بالوحدانية يقف على معرفته سبحانه وتعالى، فإنما الشهادة تكون عن علم، وبهذا العلم يدرك الإنسان فقره ويقف على حاجته إلى الله، كما يدرك عظم الله سبحانه وغناه وتفرده، فهو الغني عن كل شيء، الفقير إليه كل شيء :” يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ “( فاطر، الآية 15)، وأعظم ما يعين على تحقيق هذا العلم والوقوف عليه؛ تدبر آيات الله الشرعية، فقراءة القرآن وفهم معانيها، والوقوف على آيات الله الكونية وعظيم مخلوقاته سبحانه، فلا يرد على القلب من العلوم والمعارف أعظم ولا أجلّ مما يتعلق بأسماء الله وصفاته وأفعاله، والعلم بالله إذا صح مسلكه أورث القلب خشية وخوفا وحبا وتعظيما، وهو عظيم النفع يحث الإنسان على العمل والسعي إلى الآخرة وسلوك طريقها، فإذا تحقق هذا العلم في القلب أثمر فائدة عظيم وهي معرفة مراد سبحانه : وهو مقصد مهم، فيه معنى العبودية وحقيقتها، وحاجة الإنسان إلى الوحي، وركن ذلك : تصديق الوحي والعمل به، ومعرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله سبحانه، وقد تقرر أن لله في كل فعل حكما يكون في معرفته والعمل به تحقيق للعبودية، قال تعالى :” وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”( الذاريات، الآية 56)، وقد تقرر أن قيمة الإنسان في هذه الدنيا تكون بمقدار تحقيقه لأمر الله وعمله به على وفق مراده سبحانه، وقد سمى الله وحيه روحا لما فيه من معنى الحياة الحقيقية، وسماه نورا لما فيه من معنى الوضوح والبيان حتى كان من سار بهديه كأنما سار في نور وأمان، قال تعالى :” وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ”( الشورى، الآية 52)، ولما كان الإنسان ذا حركة لا تتوقف، وكانت ظروفه كثيرة ومتعددة كان من مقاصد العلم النبيلة تلبية حاجة الواقع، ومعرفته بكل تفاصيله : فكلما استطاع العلم الإجابة عن أسئلة الواقع ومشكلاته، عظم أمره وشأنه وشأن حامله، ومن هنا عظم شأن العلماء وارتفعت مكانتهم ومنزلتهم. وتلبية حاجة الواقع والإجابة عن أسئلته يتطلب حسن تصور كما يتطلب قدرا من الإطلاع على العلوم المختلفة، خصوصا مع ما يكتنف الحضارة المعاصرة اليوم من إشكالات متعددة، والقصور في تقديم هذه الإجابة هو قصور في فهم الإسلام والدعوة إليه، وذهاب بخصوصية الإسلام وقدرته على مواكبة الزمان ومجرياته، ووسيلة ذلك كله بعد معرفة الإسلام : الدعوة إليه والقيام بحقه، وهو مقصد عظيم من مقاصد العلم، فأول مراتب العلم رفع الجهل عن النفس، وهو من واجبات الدين، وتقرير ذلك أن أصل العلم الشرعي هو تلقيه عن واضعه، وهو الله سبحانه، وطريقة ذلك معرفة ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هنا كان طلب العلم فريضة من الفرائض، وهو أجل وأعظم متطوع به، ونافلة العلم أفضل من سائر النوافل، والتقصير في تعلم العلم مما يلام عليه المسلم. وثاني مراتب العلم نشره بين الناس، وهو من أداء الأمانة والنصيحة للناس والميثاق الذي أخذه الله سبحانه على أهل العلم، وهي وظيفة عظيمة جليلة، فهي وظيفة الأنبياء –عليهم السلام- وأتباعهم على مرّ الأيام، قال تعالى :” وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ”( آل عمران، الآية 187)، والسير في هذا الطريق يحتاج إلى جملة أمور، منها : مراعاة الأولويات في العلم والتعليم، فمن ذلك العناية بعلوم الهوية كعلم التوحيد والفقه والتفسير وعلم أصول الفقه والحديث، فهي الأساس الذي يبنى عليه، وكذلك العناية بالعلوم المعاصرة والاستفادة منها، ومن مراعاة الأولويات معرفة الظواهر المعاصرة وفهم أسبابها ومحاولة وضع العلاج لها، كظاهرة الإلحاد ونحوها مما استجد على الواقع، ومما يحتاجه الداعي في هذا الطريق الجليل هو التخلق بأخلاق أهله والقيام بحقه، فالأخلاق تزيّن العلم وترتفع به وتعين على نشره بين الناس.
وفي الختام؛ فإن بداية هذه الأمة كانت بالعلم والرسالة، وإنما تبقى هذه الأمة ما بقيت فيها آثار هذه الرسالة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش