الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أيام في الغربة (24) يوم لن أنساه

تم نشره في الخميس 22 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً

د. سلفيا باكير


كثير منا يعتقد ان من الاولويات في الغربة هو العثور على صديق يخفف من وطأة الاغتراب والبعد عن الرفاق والاهل، ربما انتابني هذا الشعور في البدايات، غير ان البحث عن صداقات تتلاءم مع طباعنا وافكارنا وفي هذه المرحلة العمرية ليس من الشيء السهل، فملامح شخصيتنا قد تشكلت وميولنا اكتملت واستقلاليتنا نضجت.. فالوحدة الموحشة ليست كفيلة بالرضا باي نوع من الصداقات او اي شكل من اشكال العلاقات الانسانية.
مضت سنة واكثر الى ان وجدت من تروق لي صداقتها.. تقاسمني العمر والتخصص وحتى الجامعة التي تخرجت منها، اتت لتكمل رسالتها في الامومة وتنفق على دراسة ابنائها وبناتها في جامعات خاصة ذات مصاريف منهكة في دولة اخرى.. من اجل ان يصبحوا اربعتهم اطباء.. حلم السيد الوالد الذي كان يحلم على مدى عمره ان من يحملون اسمه اطباء ولا شيء غير ذلك، نفقات باهظة لا يقدر عليها متوسطو الدخل.. فهناك بالإضافة الى الرسوم الجامعية تكاليف السفر والانتقال لها عندما تزورهم ولهم عند زيارتها.
 كانت تزورني كل نهاية اسبوع نجلس نتبادل الحديث بكل انواعه وشتى المواضيع الاجتماعية والعلمية والثقافية.. وحتى خلافتها المستمرة على اسلوب تربية الاولاد.
اذكر انه كان يوم اربعاء ونهاية اسبوع بعد مرور خمس سنوات عندما اخبرتني ان ولدها الاصغر وهو في نهاية السنة الثانية في كلية الطب يرغب في العودة الى الاردن واكمال دراسته هناك، فهو لم يعد يستطيع الإحتمال وهو يستعد للذهاب غدا لحضور حفل التخرج الذي سيحييه مجموعة من الطلبة الاردنيين في نفس الجامعة، تحدثنا في هذه الامور وغيرها وغادرت الى بيتها في وقت متأخر وانا ذهبت للنوم، استيقظت في السادسة صباحا على صوت الهاتف الذي افزعني صباحاً فلم اعتد على ذلك، واذا بصوت زوجها يأتيني مخنوقا وباكيا: ارجوك سلفيا تعالي فورا لقد توفي ولدنا الأصغر بحادث فجر اليوم وصديقتك بحالة صعبة، فوجئت بالخبر والنوم يغلبني، فما كان مني إلا أن جهزت نفسي ومشيت مسرعة الى منزلهما الذي يبعد عني فقط سبع دقائق سيرا على الاقدام، لكنني شعرت ان المسافة طويلة والشوارع فارغة من المارة فلم اعتد السير بهذا الوقت، الى ان وصلت الى المنزل وانا ارتعش تارة من الحزن وتارة من خوفي على صديقتي وتلك الصدمة القوية فكانت هي من فتح لي الباب، قالت لي بحزن عميق والله انني لست حزينة غير انني سأشتاق إليه كثيرا، بدأ النهار بحضور جميع الصديقات والزميلات والبدء في التحضير للسفر، كيف !! واليوم عطلة نهاية الاسبوع فكيف تنتهي اجراءات السفر والتأشيرة ومكاتب الجوازات مغلقة؟!! تم ذلك ببساطة شديدة اعجبتني، وهي ان هناك حالات طارئة يتم فيها استكمال اصدار تأشيرة في الحالات الخاصة والحرجة وهذا ما تم فعلا من قبل مسؤولي الجوازات.
يوم حزين من اصعب ما مر علي في حياتي. فقط لمشهد الحزن الذي حاصر حياة تلك الصديقة.. بكاء دون صوت او انين حتى العصر، وصلاة وادعية لا تنتهي.
غادرت الى الاردن. ففي اليوم التالي ستكون مراسم الدفن لتلقي النظرة الأخيرة على ابنها الحبيب. وصل هو قبلها، استغربت السرعة في الاجراءات ونقل الجثمان فأخبرتني صديقتي فيما بعد ان هناك تعليمات في السفارات الاردنية لأي اردني في الاغتراب يتعرض لحادث ويتوفى، يتم نقله بإشراف من السفارة. هو الوطن يضمنا اينما كنا، امواتا وأحياء.
وللحديث بقية.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش