الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عملت مترجما وقت خطف الطائرات المدنية الغربية وتفجيرها في «مطــار الثــورة» أيـلـول 1970 !!

تم نشره في الأربعاء 21 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً
سيرة روائية 5

 محمد داودية


في منتصف ستينيات القرن الماضي، كان شباب المفرق يتابعون بنهمٍ شديد مقالة محمد حسنين هيكل كل يوم جمعة في صحيفة الأهرام المصرية. كانت مقالة قصصية /روائية معلوماتية سلسة تضم أسماء زعماء وملوك وشخصيات وأسماء معارك وأماكن ومواقع وعواصم ومدن، وكانت المقالة ملئية بالتواريخ والتفاصيل والوثائق والاستشهادات والاقتطاعات المنسوبة الى قائليها. كانت المقالة مدونة ومرجعا ومكتبة، ورغم ما فيها من استرسال واطناب و»مطمطة» وتشريق وتغريب، الا انها كانت تحتوي على موقف وتحليلات كنا نتلهف على قراءتها والاستشهاد بها في حواراتنا الشبابية الأقرب الى المبارزات والمساجلات. كانت المقالة تجمع بين السياسة والأدب.
ثم اكتشفت أن صحيفة الأنوار اللبنانية، تنشر مقالة هيكل بالتزامن مع صحيفة الأهرام وبالإتفاق معها، فاخذنا نشتري الأنوار لقراءة هيكل ومتابعة تحليلاته.
كاتب مذهل شدني. كان يكتب مقالة أسبوعية في ملحق الأنوار الثقافي الذي كان هو نفسه يحرره، هو الكاتب فارس فارس الذي اصبح عندي اهم من هيكل.
 
الكتاب الذي اخذني يسارا!
دفع لي فايز محمود رواية «رجال في الشمس» قائلا:
انا ذاهب إلى اربد للقاء يحيى يخلف ومجموعة مثقفي اربد. إقرأ هذه الرواية يا محمد، ستحبها.
قرأتها على دفعة واحدة خلال غيبة فايز في اربد.
قلت له وانا ارد له الرواية الجميلة:
غسان كنفاني هذا روائي حار يمسك القلب، أيوجد كاتب كهذا ؟!
بحثت عن كل ما له صلة بهذا الروائي فلم يكن يدانيه عندي سوى فارس فارس كاتب الأنوار الأسبوعي، الذي اكتشفت لاحقا انه غسان كنفاني !!
تتبعت غسان في ظلام هزيمة حزيران الدامس، وتبعته. وجدته قائدا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ووجدت صديقي محمود كساب عضوا فيها.
حملت نفسي الى عمان ابحث عن الجبهة. استقبلني في مكتبها بجبل الاشرفية، وجه غاية في السماحة.
حييته وبادرته قائلا: ابحث عن غسان كنفاني. هل تعرف غسان كنفاني؟
قال الرجل السمح: الرفيق غسان عاد إلى بيروت أمس بصحبة الحكيم.
قلت بتفجع: للمرة الأولى أكون سيء الحظ، جئت أقابل غسانا وها قد فشل مسعاي.
امتص خيبتي وتقبل أسفي وانا اقول له:
لم يخفف من خيبتي إلا دماثتك وتهذيبك ولطفك. من انت؟
قال: أنا الرفيق أبو سمير، حمدي مطر.
قلت: انت انسان طيب يجب أن افاتحك. يا أبا سمير أريد أن أكون حيث يكون غسان كنفاني، في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
رحب بي وبان فرحُهُ في عينيه الودودتين. أمسك بالهاتف و قال لأحدهم: اطلب لي الرفيق غسان من دمشق.
بعد دقائق جاءه الجواب: الرفيق غسان في الشام وهو رهن الاعتقال والتحقيق.
ذهلت. يا الله، كيف يمكن ان يتم إيذاء الثوار والملائكة والأطهار.
انتسبت الى الجبهة الشعبية عام 1968 واخذت اتابع غسان في مجلة «الهدف» الاسبوعية التي كانت تصدرها الجبهة من بيروت وكان غسان كنفاني يرأس تحريرها.
ولما كنت على وشك السفر الى موسكو، للانتظام لمدة ثلاث سنوات في «معهد لينين لإعداد القادة والكوادر»، نشبت أيلول 1970.
كنا خمسة من مكاتب المفرق والكرك والزرقاء والسلط ومأدبا تجمّعنا في معسكر الجبهة الشعبية في ارميمين -او ما كانت تسمى «قاعدة هو تشي منه»- نستعد للسفر حين صعقنا خبر إصطدام الجيش والمنظمات.
ابلغونا بتأجيل السفر. أسفت كثيرا، فموسكو كانت حلم شباب اليسار العربي.
إذن. يمكن أن يتقاتل الأشقاء على حافة نهر الأردن الذي يتفرج محتله مبتهجا على جثثنا تتساقط على ضفته الأخرى، التي يخطط ويتطلع لاحتلالها. الاشقاء الذين اتحدوا بالأمس في معركة الكرامة الخالدة فهزموا المعتدي الصهيوني شر هزيمة وحطموا غروره وصلفه وامتزج دمهم على ثرى الكرامة وحافة «الشريعة»، يتقاتلون اليوم. لم يكن تقبل ذلك ممكنا على شاب حالم مثالي غارق في القيم والتسامي.
 
دولتان ورأسان وسلاحان ومشروعان
كنا نلاحظ ان في البلد دولتين ورأسين وسلاحين ومشروعين. وجرت محاولات لاغتيال الملك الحسين يرحمه الله وامتلأت جدران عمان والمدن الأردنية بشعارات إحلالية استفزت الحُكمَ والجيش ابرزها شعار الجبهة الديمقراطية «كُلُّ السُّلطة للمقاومة»، وكان محرما على الضباط والجنود التحرك في عمان واربد والزرقاء بملابسهم العسكرية !.
 وكان قيام الجبهة الشعبية بخطف الطائرات الخمس المدنية الغربية وتفجيرها يوم 6 أيلول سنة 1970 في «مطار الثورة» بالأزرق -قيعان خنا-، التي خطط لها وديع حداد قائد «العمليات الخارجية» التي كان معسكرها في جرود نحلة بلبنان والتي من رموزها محمد القاضي وليلى خالد وسليم العيساوي والثائر النيكاراجوي باتريك آرجويلو، الصاعق الذي فجر الموقف وقاد الى الاشتباكات. كانت كما قال محمود كساب لصاحبنا محمد النجدي مصححا حين قال انها دولة داخل الدولة، بل قل هي دولة فوق الدولة. ومن البديهي ان يقع الصدام والارتطام، وان يصبح الحسم قدرا لا مفر منه، عندما تكون في البلد الواحد سلطتان على ارضه.
 
حين عملت مترجما في مطار الثورة
كنت ممن تولوا نقل الخبز والتونا والسردين والبندورة والفلافل والفول والحمص والبصل والخيار والكازوز والثلج والاغطية، من المفرق الى «مطار الثورة». ولاحقا كنت ممن قاموا باعمال الترجمة من الإنكليزية الى العربية وبالعكس بين الطيارين والركاب وقيادة وإدارة عملية الاختطاف. كان الركاب في حالة انهيار تام وعجز عن الكلام وثمة من بالت في ملابسها فلم يكن مالوفا ولا معروفا اختطاف الطائرات. ولم يكن معروفا من هم هؤلاء الفتية الذين يحملون الكلاشنكوفات ويتلفعون بالكوفيات. ولم يكن يخلو الامر من مفارقات فقد طلب عدد من الركاب تزويدهم بزجاجات البيرة المبردة!
كانت الدبابات الأردنية تتوافد وتحاصر المكان. كنا نشاهدها بالعين المجردة ونتبادل مع الضباط والجنود التحايا والسلام. دار نقاش صاخب حاد بين الخاطفين اوشك ان يتحول الى اشتباك بالأيدي والسلاح. ثمة من يحذر من اقتحام الدبابات الأردنية للمطار وتحرير المخطوفين واعتقال الخاطفين وثمة من يرفض هذا الاحتمال لان الجيش الأردني احكم من ان يغامر بوقوع قتلى في صفوف الركاب المخطوفين.
تغلبت المجموعة الصغيرة التي كانت مصرة على تفجير الطائرات وتم نقل الركاب الى عمان. وتم تلغيم الطائرات وتفجيرها.
اغتال الموساد الإسرائيلي غسان كنفاني في بيروت في الثامن من تموز سنة 1972. كانت فجيعتي طاغية لا تحتمل، مُرّةٌ وهائلة، خانقة وكاتمة، كأنني في قبو مسدود لا اكسجين فيه.
اكتسحني حزن اسود وغمرتني كآبة امتدت طويلا. لقد انتزع الوحوش الصهاينة قطعة من قلبي.
وعندما أنجبت شقيقتي خديجة زوجة محمود كساب في السابع عشر من أيلول 1975 نجلهما الأول أسمياه غسانا. 
 
لا مثيل لبهاء القدس
كان ميشيل النمري ومحمود كساب يزورانني في خريف 1966، في قرية سويمة، الجاثمة على حافة نهر الأردن الشرقية -الشريعة- وعلى الشاطيء الشمالي للبحر الميت التي كنت تعينت معلما فيها.
وما أن يقرع جرس الإيذان بانتهاء دوام يوم الخميس حتى تكون «المكمورة» التي هي طبخة الشباب العزاب قد نضجت.
وعندما نكون على عجلة من أمرنا، نتوجه إلى الطريق الرئيس الواصل بين الضفتين، نستقل الحافلة من مثلث سويمة إلى أريحا في الضفة الغربية التي لم تكن تبعد اكثر من عشرة كيلومترات، فنتناول وجبة غداء مكونة من الكباب والحمص والبطاطا المقلية والمخللات وزجاجة مياه غازية، بعشرة قروش.
 بائع الموز الريحاوي المشهور والبرتقال العسلي، أبو سمره لا يمل من المناداة: كُلْ ما شئت حتى تشبع بقرشٍ واحد. واحمل ما تستطيع حمله من الموز والبرتقال بثلاثة قروش.
ومن أريحا نتوجه إلى القدس حيث يتكثف التاريخ الذي يمكن أن يمسكه المرء باليدين، كنا نتجول في حواريها وأزقتها ونمُرُّ على أسوارها إلى أن تكل اقدامنا فنجلس على احد المقاهي بالقرب من الفندق الوطني.
نتناول الشيشة العجمي وإبريق الشاي بالنعنع ثم نبحث عن «فندق يتناسب سعره مع طبقتنا» كما كنت أقول، نستطيع تحمل أجرته البالغة ثمانين قرشا في الليلة مع وجبة الإفطار.
كانت الفنادق تعج بالسياح من مختلف الاشكال والألوان واللغات وكنا ندخل معهم في نقاش سياسي وتاريخي طويل يسلمنا إلى النوم.
كنا نستقل الحافلة إلى رام الله، لنسهر في ملاهيها الليلية، نستمع إلى مطربي الإذاعة الأردنية حتى الفجر، أو نذهب إلى السينما لمشاهدة أفلام الممثلين الذين نحبهم: عمر الشريف وفاتن حمامة وهند رستم ويحيى شاهين وماجدة وفريد شوقي وهدى سلطان ورشدي اباظة وسامية جمال وتحية كاريوكا ومحمود المليجي واحمد رمزي وشكري سرحان واحمد مظهر.
وفي اليوم التالي نتوجه إلى نابلس أو إلى القدس أو إلى الخليل حيث نتغدى كنافة تصبح هي وجبة الغداء والتحلاية معا. كنا ندور على مكتبات مدن الضفة الغربية التي نزورها وخاصة مكتبات الكتب المستعملة فنبتاع ما تمكننا ميزانياتنا من ابتياعه.
 
حين بكى الضابط ادركنا حجم الهزيمة
اندلعت حرب حزيران 1967 فذهبْتُ ومجموعة من شباب المفرق إلى المخفر للتطوع. قررنا أن نساهم وان نساند جيشنا وأن ندق جدران الخزان.
كان قائد المخفر الضابط الشاب يبكي.
إصفرت وجوهنا من هول الصدمة وانخرطنا في بكائنا المر. دلتنا دموع الضابط الشاب على حجم الهزيمة وعمقها.
ولاحقا تدربت لمدة شهرين في معسكرات الجيش في عوجان بالقرب من مدينة الزرقاء. كان ذلك من منتصف حزيران الى منتصف آب 1968، وكان معي عودة الصقور وعبدالحميد الشبيلات – ناصر، الذي اصبح لاحقا قائدا في الجبهة الديمقراطية وزرته عام 1974 في بيروت واحتفى بي شأنه مع كل ضيوفه.
بعد عام على هزيمة حزيران، وبعد معركة الكرامة بثلاثة شهور. كان في الدورة  ما يزيد على ثمانين معلما من مختلف انحاء الاردن، ينامون في الخيم العسكرية التي تتسع الواحدة منها الى ثلاثة أو أربعة أسرّة.
كنا ننام بعد العَشاء مباشرة، ونحن على اشد درجات الإعياء، ويتم ايقاظنا، ونحن متبرمون ساخطون، على الساعة السادسة صباحا، لممارسة الألعاب السويدية والاستحمام وتناول الإفطار.
كان برنامجنا الشاق يشمل التدريب على فك البندقية وتركيبها ورماية عشر طلقات والقفز من برج المظليين والزحف تحت الاسلاك الشائكة والرماية الحية فوق رؤوسنا والقفز من طوق اللهب والتسلق وحفر الخنادق والتدرب على الاسعافات الأولية.
سمعت احدهم يقول للمدرب بصوت كله ضراعة وخوف وهو يهم بدفعه من برج المظليين من على ارتفاع ثلاثين مترا: دخيل ربك يا بيك اعفيني من القفز وسأهديك تنكة سمنة بلدية.
فرد عليه المدرب هازئا: انا أحب زيت الزيتون ولا أحب السمنة. دفعه من علٍ فهوى  وصراخه يملأ الفضاء.
كنا جديين وغاضبين ومندفعين ومتحمسين، نتدرب تحت هاجس ضغط هزيمة حزيران وتحت ضغط آمال كبار هي اننا سنشارك في المعركة القريبة القادمة.
 
                الحلقة 6 تتبع الأربعاء المقبل

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش