الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

التنوع دلالة قوة ... المفرق نموذجًا !!

محمد داودية

الخميس 15 آذار / مارس 2018.
عدد المقالات: 310

كانت المفرق هي المدينة الثانية ثقافيا بعد عمان، ابرز ملامحها الحيوية والتفاعل، والمشاركة والانفتاح ابرز صفاتها.
كانت الحياة الاجتماعية فيها مشبعة بالألفة والثقافة والتنوع، فليس يليق بمدينة على مفرق طرق العرب ان لا تكون عروبية في سياق شعبنا السياسي و الثقافي، وأن لا تكون منفتحة على التيارات السياسية و الثقافية.
من خليط جميل من الناس تشكلت لوحة المفرق الباذخة في تنوعها، فقد تمازج في المفرق وتصاهر وتعايش وانصهر: بنو حسن مع الفلاحين مع البدو مع الشوام مع المسيحيين مع المهجرين الفلسطينيين مع المعانية مع السلطية مع الكركية مع اهل جبل عجلون مع بني صخر مع المغاربة والليبيين والجزائريين مع الشركس مع الدروز.
كانت تصب في مجرى المفرق الهائل الرحب وتغذيه بالعابرين والمستقرين: قاعدة المفرق الجوية البريطانية وشركة بترول العراق (آي بي سي) ومعسكرات القوات المسلحة وقوات البادية.
 كانت احزاب العالم كلها في المفرق: الحزب الشيوعي وحزب البعث العربي الاشتراكي وحزب التحرير وجماعة الاخوان المسلمين والقوميون الناصريون. وكنا صغارا نسمع عن معتقل الجفر الصحراوي الرهيب فنظنه في جهنم وكان المعتقلون السياسيون ايقونات لدى كل الناس، الحزبيين وغير الحزبيين.
كانت القاعدة الجوية البريطانية متصلة مع اهالي المدينة ومتفاعلة معهم في مختلف المجالات: الرياضة والعروض الجوية والسينما والمقاهي، وكان ابرز لاعبي كرة القدم الانجليز في القاعدة الجوية البريطانية، جفري و لفزي وستيف وبوب، ضيوفا دائمين على منازل اهل المفرق الذين عرفوهم في نزالات كرة القدم الاسبوعية مع لاعبي نادي الصحراء المرعبين: سبع جدوع وفايز عودة والاخوين فيليب وحبيب والتكروري وشوقي سليم والاخوين مشري وعبد الحليم مزعل الخوالدة. وكان التفوق باستمرار لفريق نادي الصحراء الرهيب.
كنا نتداول مقالات فؤاد زكريا واحمد بهاء الدين في مجلة الطليعة وسهيل ادريس في مجلة الاداب وهيكل في اهرام الجمعة واحسان عبد القدوس في «روزا» وملحق الانوارالاسبوعي لمتابعة مقالة فارس فارس (غسان كنفاني) ومنشورات دار التقدم ومسرحيات بريخت وروايات مكسيم غوركي ونجيب محفوظ وقصائد لوركا وايلوار ونيرودا وناظم حكمت وسيرة تشي غيفارا وكاسترو ومؤلف لينين «ما العمل» و»ميثاق» عبد الناصر ومؤلفات عفلق وحسين مروة و قسطنطين زريق.
لم يكن تصنيف الناس يتم على اية اسس جهوية او دينية او عرقية، بل كان التصنيف وفق الانتماءات السياسية. وكانت فتيات المفرق على اعلى درجات الوعي السياسي والمشاركة على قدم وساق في النشاطات الثقافية. واتذكر ان طالبات الثانوية العامة وجهن لنا رسالة يدفعننا الى الخروج في المظاهرات ضد الأحلاف. ولن انسى ما حييت قولهن الصاعق المؤثر لنا:
 «اخواننا النشامى، غدا في ميادين القتال والتحرير منكم الجرحى ومنا الممرضات».
كنت التقيت نخبة من مثقفي المفرق بدعوة كريمة من منتدى المفرق الثقافي ومقهى الياطر فتحدثنا عن اسباب تعثر الاصلاح السياسي وتراجعه في بلادنا وشدني علاوة على الأسئلة التي لا مراوغة فيها، ذلك الوعى الحارق والاصرار على المشاركة والجسارة ووضوح الرؤية.
قلت ان عهد الخلافة الراشدة قد انتهى وانقضى. وان الانظمة كلها، بما فيها نظامنا السياسي، تقارف الاخطاء والمهم هو القدرة على التصويب والاصلاح الجدي.
هذا الكلام الذي كان قبل سنوات هل ما يزال صالحا اليوم؟
تئن المفرق و محافظتها و تترنح تحت ضغط المأساة السورية واعبائها، فقد اكتظت قصبة المفرق والمحافظة واترعت حتى «فرعتها» بالسوريين
وتم  سحق المفرق واستولى العمال السوريون على وظائفها الشحيحة واصبحت شوارعها كراجا كبيرا للسيارات وغطى شوارع المفرق ركام هائل من النفايات واترعت مدارسها ومراكزها الصحية بما يفوق طاقتها عدة مرات.
 ان كرب المفرق وبلاءها لعظيم.
dnshme@hotmail.com

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش