الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

خصخصـة الخدمـة المدنيـة

تم نشره في الأربعاء 14 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً

بشار جرار
واشنطن

لا ليس خبرا بالتأكيد ولا بالون اختبار بإيعاز من أي كان ولا حتى اقتراحا، لكن خصخصة الخدمة المدنية من أحلام اليقظة التي تشاغل خيالي قبيل موعدي اليومي مع القيلولة دامت نعمها. تدفعني خدمتي المدنية - ونصفها في القطاع العام - إلى التأمل في اختلاف الثقافات والدول في التعامل مع مفهوم العمل الحكومي أو العمومي وهناك فرق ليس بالبسيط بينهما. في بريطانيا والولايات المتحدة على سبيل المثال، تتقارب النظرة الجوهرية إلى العمل في القطاع العام أو العمومي، من حيث كون العمل في جوهره خدمة يقدمها الموظف للبلاد، تماما كما هو الانتساب إلى القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وحتى الدفاع المدني. فالأصل هو التطوع والإقبال بدافعية ذاتية لخدمة منظومة قيمية سامية تنطلق من فلسفة “خادم القوم سيدهم” وأننا جميعا - كبيرنا قبل صغيرنا - خدم للوطن، إن صدقنا حقا بأننا فداء له.  
من أكثر الانطباعات الجميلة التي يعرفها المجتمع الأميركي وقد لا تكون واضحة لدى البعض، هو اصطحاب المسؤول المعين – ذكرا أو أنثى – لأفراد أسرته الصغيرة أثناء أداء القسم وغالبا ما يحمل الكتاب المقدس  تكريسا لمفاهيم من أبرزها، أن خلف نجاح المرشح للخدمة تقف أسرة بأكملها مستعدة لتفهم تبعات وظيفته من حيث الأعباء، والتي قد تفرض قيودا تحد من حرياتهم في بعض الجوانب، وتسقطها تماما في نواح أخرى.
بطبيعة الحال، كلما ارتقى الخادم في المرتبة الوظيفية والمنصب الحساس زادت الأعباء والقيود والمحددات التي - وبمنتهى الصدق والدقة - لا تساويها رواتب ومكافآت وامتيازات في الدنيا. أملك الكثير من الأمثلة، لكني لا أحب الخوض في حياة الناس الخاصة ولو كانوا في مناصب قيادية عامة تبيح للإعلام الأميركي و”ناشطي” التواصل الاجتماعي الخوض في أخص خصوصيات حياتهم، الأمر الذي كان في حالة أحد كبار الشخصيات الأميركية السابقة أمرا مؤلما للغاية من الناحية الإنسانية كأب وكجد حيث خاض الناس في تعاطي ابنه للمخدرات ومن ثم إصابته بالسرطان وزواج الأخ من أرملة أخيه وهو أمر مكروه غاية الكراهية في الثقافة الأميركية.
العبرة إن التغيير الذي طال أدوات الاتصال والتعبير فعّل سلاحا لا يعلم إلا الله مداه، فقد جعل من الجمهور صحافيين لا بل وصحافيين متخصصين بأرقى وأهم أنواع الصحافة في تقديري وهو الصحافة التحقيقية أو الاستقصائية.
سأقصّ على حضراتكم قصة حقيقية من واقع التجربة القريبة والدالة في معانيها، لا أذيع سرا ودونما الحاجة للاستئذان من جيراني في الضاحية أو حزبي “الحزب الجمهوري الأميركي” أو السلطات البلدية “في واشنطن الكبرى وضواحيها”.  قبل أيام هبّت علينا ريح لا هي بصرصر ولا عاتية ولله الحمد، لكنها شديدة القوة معتدلة البرودة نسبيا، ريح اعتدنا عليها في مثل هذا الوقت من السنة. كان من ضمن ما خلفته الريح، إثارة أكياس بلاستيكية لم تكن ملقاة بالشارع لكنها تناثرت من الحاويات الخاصة بمحل تجاري كبير مقابل لتقاطع مروري رئيس في المنطقة.
يوم واحد فقط مر على تناثر هذه الأكياس، فتساءلت إن كان في الأمر بوادر تقصير من البلدية، لينجلي الأمر أمامي في اليوم الثاني وقد بدت جادة الطريق نظيفة تماما مما كان يخدش جمالية المشهد المعتاد. أفقت من قيلولتي في ذلك اليوم المشمس حيث لا ريح ولا أمطار، لأتابع على صفحة التواصل المقيدة  العضوية والخاصة بسكان المنطقة أن ثمة جنديا مجهولا خلف المشهد الحضاري هذا.
القصة وما فيها، أن المشهد لم يرق لموظف عائد إلى بيته بعد ثماني ساعات عمل ونحو ساعتين من قيادة سيارته الخاصة “البكم”. فما كان منه إلا أن بادر بارتداء قفازين واستخدم الرفش لالتقاط ليس فقط الأكياس وإنما ما حولها وتحتها من نفايات ليضعها في مكب خاص للنفايات من هذا النوع لغايات التدوير. جارنا – و”النبي وصى على سابع جار” – جارنا الله يبارك فيه عاتب جيرانه الذي سارعوا إلى انتقاد البلدية بالتقصير وقال بالحرف الواحد “شمّر عن ذراعك وبكفي نقّ” طبعا الترجمة بتصرف..
الخلاصة، أن الخصخصة هي الحل في كل ما ينسب للخدمة المدنية من تحديات أو معضلات بما فيها معايير التقدم للوظائف والتوظيف بمعنى استدراج واستقطاب الكفاءات. كثيرون يتندرون أو يتهجمون بالقول إن المسؤول الفلاني يتعامل مع مؤسسته وكأنها “مزرعة أبيه”، لكن الحقيقة أنه لو كان حقا يتعامل معها كذلك لصانها وأحسن تعشيبها وتسميدها وتقليمها حتى يبارك الله في ثمارها وفق مقولة “زرعوا فأكلنا نزرع فيأكلون”.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش